الاثنين، 2 فبراير 2015

واقع القضاء وافاق اصلاحه (  1 )
انعدام الشفافية في القضاء ظلم ، تآمر ، امية ، او فساد
                                                                                                                 القاضي
                                                                                                                 رحيم حسن العكيلي
ينظر الكثير من القضاة في العراق بتوجس وشك وريبة الى منح المتهم او محاميه صورة من الاوراق التحقيقية الخاصة به ، رغم انه حق بديهي له ، واحد اركان محاكمة عادلة .. فلماذا يتعمد القضاة السرية والتعتيم ومنع الخصوم من اخذ نسخ من الدعاوى والاجراءات والادلة ؟
حصل ان قدم ضابط تحقيق مطالعة لقاضي تحقيق الارهاب  بان مخبرا سريا يدعي بان  مئات الاشخاص ارهابيون ، وارفق قائمة بهم وبما يفعلون ، فاصدر القاضي امر بالقبض ضد الاشخاص الواردة اسمائهم في القئمة المرفقة التي تبدا بـ ( فلان الفلاني ) وتنتهي بـ ( فلان الفلاني ) وفق المادة ( 4 ارهاب ) ، رغم ان المخبر يدعي بان تهمة اخرهم كانت انه ( كلب ابن  كلب ) ... ولا شك ان ( الكلب ابن الكلب ) اربعة ارهاب من الدرجة الاولى حالما يعتقل ويتم ادخال عصا في مؤخرته !!!
وفي قضية اخرى يعترف متهم – تحت التعذيب - بانه قتل اثنين من اقاربه ، لكن اقاربه ياتون لاحقا احياء ، الا ان قاضي التحقيق يحيل المتهم موقوفا الى محكمة الجنايات ، فيساله زميله العضو في محكمة الجنايات لماذا لم تفرج عن هذا المسكين وهو منذ ستة اشهر بالتوقيف ، فرد القاضي بانه يخشى ان يساءل اذا افرج عنه ، وفضل ابقاءه موقوفا واحالته للجنايات لتتولى هي الافراج عنه لانه لا يتحمل مسؤوليته .
تلك الواقعتين تعطي صورة عن اسباب انعدام شفافية القضاء ، فهل يتصور بان قاض متورط بمثل تلك الكوارث ان يزود المتهم بصور من الاوراق التحقيقية ؟؟
وهل يسمح قاضي متورط بمؤامرة  مفبركة ضد متهم  بتزويده او محاميه بنسخ منها ؟ وهل يتصور من قاضي اخذ رشوة وانحرف بالحق لمصلحة الراشي ان يسمح بفضح امره ؟ وهل يمكن لقاضي لا يعرف بديهيات القانون ان يطلع الاخرين على مقدار جهله واميته ؟
لقد بالغ الكثير من قضاء التحقيق في العراق في السنوات الاخيرة في تبني السرية في اجراءات التحقيق الى حد انعدمت الشفافية فيه بشكل كامل  ، حتى اضحى العراق هو البلد الوحيد الذي يخفي عن المتهم اجراءات التحقيق ويمنعه من الوصول للادلة التي ترتب ضده ، وذلك نابع عن الوهم عند الكثير من القضاة بامكانية منع المتهم من الاطلاع على اجراءات وسير التحقيق .
وغالبا ما يرفض قضاة التحقيق ومحاكم الجنايات والجنح منح صور من الاوراق التحقيقية لاطراف القضية بضمنهم المتهم ، وهو امر يمارس فيه بعض القضاة مزاجية عالية وتعالي وتحكم غير مبرر وجهل مطبق بابسط مبادئ القانون وبالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة ، اذ لا حق لهم مطلقا في رفض منح صور من الاوراق التحقيقية  للمتهم ، لان بديهيات حق الدفاع المقدس تفرض منح صور من الادلة الجرمية  له ولمحاميه من اجل تمكينهما من اعداد دفاعه عن نفسه ، والا اختلت واحدة من اهم معايير المحاكمة العادلة .
ان من اهم معايير سلامة وعدالة المؤسسات القضائية في العالم هو مقدار الشفافية فيها ، خصوصا شفافية الاجراءات  الجزائية ، الا ان القضاء العراقي فقد شفافيته الجزائية  بالكامل  ، ويقف خلف ذلك اربعة اسباب رئيسية هي :-
1-      التآمر :- اذ مارس بعض القضاء ادارة ملفات جزائية مفبركة لتصفية الخصوم لمصلحة جهات سياسية ، او لاغراض شخصية ، او استجابة لاوامر الادارة القضائية العليا ، والتي تعقبها محاكمات سرية زائفة لاصدر احكام ليس فيها من القانون الا صدورها باسم الشعب زيفا وافتراءا . لذلك يرفض القضاة اعطاء صور من تلك الدعاوى لانها ليست دعاوى بل مؤمرات .. والمؤمرات لا تعطى نسخ منها .
2-      الظلم :- فحينما ينحرف القضاء ويصبح اداة ظلم وقهر ، فانه سيتجه الى التعتيم ومنع الاطلاع ، لابقاء قراراته واجراءاته الظالمة طي السرية .
3-      الفساد :- لان الفساد يضطر القاضي الفساد الى حرف القانون لمصلحة الجهة التي يبغي خدمتها ، فيحرص – بالتالي - الى اخفاء انحرافه بالقانون لمصلحتها ، فيمنع اعطاء صورة من الاوراق التحقيقية لمنع انكشاف فساده وانحرافه .
4-      الامية :- فجهل بعض القضاة وعدم معرفتهم بابسط احكام ومبادئ القانون يجعلهم مرعوبين من كشف الاخطاء والكوارث القانونية التي يرتكبونها , مما يجعل حريصين على منع خروج اوراقهم الى العلن .
ولذلك اسباب اخرى غير تلك الاسباب الرئيسية الاربعة ، الا ان الامر اصبح ظاهرة لا يمكن السكوت عنها ، بعد ان انتشر التحكم والمزاجية والتعالي والامية والجهل والفساد والمظالم في اروقة القضاء والمحاكم بسبب سياسة ادارة قضائية ظلمت القضاة واهملتهم وافقدتهم هيبتهم وصادرت استقلالهم و حريتهم في التعبير والرأي وحولتهم الى ادوات لحسم عشوائى مستعجل لمنازعات الناس ، حتى تحول القضاء من اداة للعدل الى اداة للظلم ومن حامي للحريات الى معتد عليها .

ان فرض الشفافية الكاملة في المؤسسة القضائية واطلاق حريات التعبير والرأي للقضاة ومنحهم استقلالهم الكامل خصوصا عن الادارة القضائية العليا وقطع يدها من التدخل في شؤون حسمهم للمنازعات التي ينظرونها ، تعد واحدة من اهم متطلبات اصلاح القضاء العراقي الذي يمر باكبر نكبة تعرض اليها منذ فجر البشرية .
انعكاس تأثر القاضي
بالجريمة عاطفيا على الفصل فيها
                                                                                                         القاضي
                                                                                                   رحيم حسن العكيلي                     
ان الضمانة الاهم لحقوق الناس في مواجهة تحديات تحقيق العدالة لهم او ظلمهم بيد القضاء ، خصوصا في الميدان الجزائي ، انما يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ ( استقلال القاضي ) ، الذي هو الغاية المقصودة من استقلال ( السلطة القضائية ) ، وهو المنتهى لمبدأ ( استقلال القضاء ) بمجمله ، فلا تتحقق العدالة الا بقاض ترتفع عنه جميع المؤثرات والضغوط ، مهما كانت ، بضمنها ضغوط وتأثيرات رؤساءه وزملائه داخل السلطة القضائية نفسها ([1]).
الا ان التبحر في الحكمة من استقلال القاضي كفرد - حتى داخل السلطة القضائية نفسها - وتحري تطبيقاته وتحدياته ، يكشف انه امر في غاية التعقيد ، لانه يتداخل – من جهة اولى - مع كل ما يحيط بالقاضي من ظروف خارجية سواء اكانت اجتماعية او اقتصادية او امنية  او اعلامية  او قانونية  او ادارية  او اجرائية ... الخ ، فلابد من حماية استقلال القاضي اقتصاديا بتوفير مورد مالي كاف له ، وبيئة لحياته واسرته تؤمن تحصينه من الاختراق من تلك الجهة ، ولابد من حمايته امنيا لان حماية امن القاضي حمايىة للعدالة وليست حماية لشخص القاضي نفسه ، فيصعب ان يحكم القاضي - غير المحصن امنيا - باعدام ارهابي يتوقع ( القاضي ) ان يكون هدفا سهلا له او لجماعته الارهابية لاحقا ، كما يتوجب حماية استقلال القاضي من تأثير الاعلام والرأي العام عليه ، ليس بمنع الاعلام والرأي العام  من تناول المواضيع المطروحة على القضاء ولكن بايجاد ضمانات وادوات تمنع من تأثر القضاة بتوجهات الاعلام والرأي العام ، منها عدم مساءلة القاضي اذا ما اصدر حكمه بما لا يتفق مع توجهات الاعلام والرأي العام لان قراره انما يخضع لمراجعة طرق الطعن ولا تعقيب عليه ولا مسؤولية بعدها مطلقا ، كما يتوجب حمايته من التطاول عليه او المساس به باي شكل ، وغير ذلك من مقتضيات حماية استقلال القاضي من العوامل الخارجية
 الا ان تأثر العدالة لدى القاضي  – من جهة ثانية - يختلط  - بقوة - بالعوامل الداخلية في القاضي نفسه ، اي تلك التي يحملها القاضي كانسان ، واهمها على الاطلاق هو العامل المرتبط بكفاءة القاضي ومقدار علميته وخبرته وظروفه النفسية ، بل حتى تدينه واصوله الفكرية ، التي قد تكون هي المدخل لظلم الناس وضياع حقوقهم ، وهذا لوحده موضوع متشعب معقد ، فنكتفي – هنا -  بتناول جانب واحد منه هو ( انعكاس تعاطف او تأثر القاضي مع ظروف الجريمة على الفصل فيها )، خصوصا انعكاسها على المتهم .
والمقصود من تأثر القاضي بظروف الجريمة هو تعاطفه او تشدده كانسان ضد الفعل المنسوب الى المتهم ، لانه يرى فيه جريمة بشعة او فعلا خارجا تماما حتى عن المألوف من الجرائم ، او بالعكس ، فقد يرى فيه انه فعل مقبول وتبرره الاعراف والتقاليد ، ولو كانت متعارضة مع القانون او الشرع او حقوق الانسان .
وهذا الموقف من القاضي لا يستند في حقيقته الى عوامل موضوعية او قانونية ، بل تحكمه تربية القاضي وظروفه النفسية ونظرته الاجتماعية الى السلوكيات وطبيعته وخلفياته الفكرية ، فقد يتأثر بعض القضاة تأثرا عاطفيا بالجرائم التي تحيط بها عوامل الشرف ، بالمفهوم الشرقي ،  كالتشدد ضد من يقتل زوج عشيقته بظروف معينة ، ليس لشئ في جريمته ذاتها ولكنه لانه عشيق الزوجة ([2]) تلك العلاقة التي يرفضها المجتمع ويتشدد ضدها ، او يتأثر بعضهم بجريمة اتهام الاخ باغتصاب اخته ، او اتهام الاب باغتصاب ابنته القاصرة ، او اتهام الخال بمواقعة ابنة اخته القاصرة ([3])، بل قد يتأثرون ببشاعة الجريمة او ضعف من وقعت عليه كجريمة قتل طفل اصم ابكم لانه فاجأ القاتل وهو  يواقع انثى .
وقد يتعاطف القاضي مع جريمة المتهم لانه - فكريا او اجتماعيا او عرفيا - فعل مقبول لديه ، بل لعله ( اي القاضي ) يعتقد بانه يرتكب فعل مماثل لو وضع في نفس ظروف  المتهم ، مثل جرائم غسل العار ، التي تقتل بها النساء لمجرد اتهامهن بعلاقة ما مع رجل لا تربطه بالمجنى عليها علاقة الزوجية ، بل قد تقتل لانها اغتصبت من احدهم بالاكراه ، وقد تقتل لانها تحدثت مع اخر في الهاتف ، بل قتل اخ اخته الشابة الطالبة في الاعداية في احد المحافظات الجنوبية  لانه رأى شابا يعاكسها في الشارع وقت رجوعها من المدرسة  .
كما قد يتعاطف القضاة  مع البنت التي تقتل ابيها الذي فض بكارتها ، او اغتصب اختها .
الا ان  تأثر القضاة ضد الجريمة او معها امر طبيعي ، فالقاضي انسان بالنهاية ، ولابد ان تكون له عواطفه ونظرته وموقفه الانساني مما يطلع عليه  ، او يفصل فيه من الجرائم ، لكنه غير مسموح له مطلقا ان يعكس تشدده او تعاطفه مع الفعل على وظيفته القضائية ، فيتوجب به ان يرتفع فوق مشاعره وفوق ميوله ، ليصل الى قدر من الموضوعية يمكنه من منع انعكاس تأثره بالجريمة وظروفها  على فصله بالدعوى .
الا ان ذلك امر مرتبط بقابلية القاضي المهنية في ان يكون موضوعيا ، والموضوعية مهارة لا يمكن اكتسابها الا بالتدريب الطويل ، وممن له موهبة القدرة على ان يكون موضوعيا ، فالموضوعية موهبة او  صفة  انسانية ،  قبل ان تكون مهارة مكتسبة ، لذا قيل بان القضاء فن ولا يصلح له الا من كان موهوبا ومتشبعا بروح الانصاف والعدالة .
لكن الحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها ، ان القضاة يعكسون – غالبا – تأثرهم بالجريمة وظروفها على الاحكام التي يصدرونها بشأنها ، ويتجلى هذا الانعكاس - الناتج من التأثر العاطفي - في جوانب كثيرة ، منها ما يتعلق بالاجراءات  سواء اثناء التحقيق او في المحاكمة، فقد يتشددون ضد المتهم بتوقيفه مثلا ولو طال به الامد ، او يتعاطفون معه فيطلقون سراحه بكفالة او بتعهده الشخصي بعد توقيف قصير او بلا توقيف ، وقد يتشددون ضده بتحري العيوب الشكلية البسيطة لمصلحته والتغاضي عن العيوب الشكلية ضده ، او بالعكس([4]).
الا ان اخطر انواع الانعكاسات تتعلق بامرين :-
الامر الاول :- انعكاس تأثر القاضي عاطفيا على النظرة الى ادلة الاثبات :- فقد يعكس القاضي تأثره بالجريمة عن طريق  التساهل في ادلة الاثبات المطلوبة ، فيميل في تقديرها الى الجهة التي مالت اليها عواطفه ، ويبتعد عن النظر اليها بطريقة موضوعية ، فيعتبر الجريمة ثابتة ضد المتهم رغم ضعف الادلة او عدم كفايتها ضده ، لانه يستنكر فعل المنسوب الى المتهم لبشاعته او لتأثره عاطفيا بظروف الضحية او ظروف ارتكاب الجريمة ، او لاي سبب اخر ، وينسى – تحت ذلك التأثر العاطفي – احتمال ان المتهم لم يرتكب تلك الجريمة .
وهذا هو اخطر انواع الانعكاس العاطفي للقضاة  على حقوق المتهمين ، وهو يؤدي بالقاضي الى تجاهل النظر الى كل العيوب الشكلية في الادلة ، بل قد يتجاهلونها بالكامل او يجدون المبررات لتصحيحها ضد مصلحة المتهم .
كما قد يؤدي – ايضا - الى المبالغة في تقدير قوة الدليل ، ليس لامور تتعلق بقوته في حد ذاته ، بل لانه ( اي القاضي ) متأثر ضد المتهم  ، وهو يلجأ الى ترجيح الادانة على البراءة او نفي ثبوت الفعل على المتهم ، ليس لان الادلة قوية وكافية بل لان الجريمة خطيرة او بشعة في نظره ، ويحتكم القاضي في ذلك الى عواطفه ، لا الى الميزان الموضوعي في تقدير الدليل ، ويعد الرأي القائل بكفاية شهادة المجنى عليه او عليها دليلا للادانة في جرائم الاغتصاب ([5])، واحدة من ابرز صور هذا النوع من الانعكاس  العاطفي ضد المتهم([6]).
وقد يتعاطف القاضي مع المتهم فيتشدد في طلب الدليل ضده ، الى حد الخروج عن المألوف في طلب الدليل ،وذلك قد يحمي مصالح المتهمين بطريقة اكثر مما يتيحها القانون ، ولكنه يشكل خطرا على حقوق المجنى عليه والمجتمع ، وهذا واقع فعلا ، اذ تتساهل بعض المحاكم في طلب ادلة اثبات الباعث الشريف في جرائم غسل العار ، بل لعل عد قتل النساء غسلا  للعار هو شكل من اشكال تأثر القضاة عاطفيا بالجرائم ، فلا تجيز الشريعة قتل المغتصبة ، ولا المتهمة بعلاقة مع رجل ، ولا المتهمة بالزنا ، ولا المتهمة بسوء السلوك ، ولا يجيز القانون ذلك ، الا ان القضاء اعتبر القتل غسلا للعار نوع من انواع القتل بباعث شريف ، متأثرا بالاعراف الاجتماعية والعشائرية البالية .
ان نظرة القاضي الى ادلة الاثبات لادانة المتهم يجب ان تتم بمعزل كامل عن نظرته او موقفه من الجريمة ومدى بشاعتها او خطورتها ، اي ان القاضي هنا يجب ان يتجرد نهائيا عن موقفه من الجريمة ، ولو كانت بشعة او خطيرة ، وكأنه يبحث في اثبات فعل عادي ،  وبخلافه فأن سيخطأ في تقدير الدليل ، ليس لقوة او عيب في الدليل ، ولكن لعدم موضوعية القاضي ، وعجزه على السمو في موقفه العاطفي او النفسي من الجريمة .
ولعل الخطوتين التاليتين هي الطريقة الاسلم التي يستطيع من خلالها القاضي فحص موضوعيته  في استخلاص صحة النتائج التي توصل اليها  في نظرته الى الادلة  :-
الخطوة الاولى :- ان يتحقق من توفر ادلة تسندها نصوص القانون واحكامه ، وتقوم فيها شروطها الشكلية والموضوعية ، ويكون الفحص هنا فحصا خارجيا قانونيا للادلة ، كأن تكون من الادلة التي اعتمدها القانون ، وان يتجمع منها ما يكفي وفقا لما يتطلبه القانون ، فأذا كانت الشهادة واحدة فهي لا تكفي للادانة مهما بلغ مستوى الموثقية بها مثلا ، وكذلك يكون الفحص بتقدير اثر العيب الشكلي في كل واحدة من الادلة المتوفرة ، فقد يؤدي العيب الشكلي الى ابطالها وطرح الاستدلال به ، او قد يرى القاضي فيه عيبا غير مؤثر في سلامة وصحة الدليل ، فيتوجب الفصل – مثلا - فيما اذا كان اعتراف المتهم امام القائم بالتحقيق - الذي قبض عليه بلا قرار قضائي - صحيح ام باطل ، وهل ان اعترافه المأخود منه تحت تأثير ( التهديد اوالضرب اليسيراو المبرح او الاغواء او الوعد او الوعيد )  باطل ام صحيح ، وهل يعد ضبط شئ ممنوع حيازته - بناء على  تفتيش غير اصولي - دليل ضد المتهم ام لا  ، وهذا النوع من الفحص يجب ان يكون فحصا قانونيا محضا ، ليس له علاقة بضمير القاضي وقناعته الوجدانية مطلقا .
الخطوة الثانية :- يقوم بها القاضي حينما تتوفر لديه القناعة بان الادلة تكفي لادانة المتهم ، بان يتحقق ( اي القاضي ) من ان قناعته الوجدانية بتوفر الدليل الكافي لادانة المتهم قد جاءت على اسس موضوعية ، غير متأثرة بموقفه النفسي او العاطفي من الجريمة عن طريق توجيه السؤال الاتي _ خصوصا في الجرائم ذات العقوبات القاسية او الكبيرة كالاعدام او السجن مدى الحياة او السجن المؤبد -  :- ( هل هناك احتمال بان المتهم لم يفعلها ؟ ) .
فأذا كانت الاجابة ( نعم ) فذلك يعني بان الادلة غير جازمة ، ولا توفر القناعة اليقينية ، ولا تكفي – بالتالي - لنسبة الفعل الى المتهم ، ولابد من مراجعتها مجددا - ما دامت قد تسرب اليها الشك باحتمال ان المتهم لم يرتكب الجريمة - بطريقة تلاحظ ترجيح قاعدة :- ( الشك يفسر لمصلحة المتهم ) وقاعدة ( واذا تسرب الشك الى الدليل الجزائي افسده )، وان الادانة بجريمة لابد ان تقوم على القطع واليقين لا على الشك والتخمين ، ولا حتى على الترجيح ، فقد ترحج المحكمة ادلة الادانة- خصوصا المستندة منها الى الاعتراف – وتقضي بسلب حياة انسان ، يحتمل بانه لم يرتكب الجريمة ، وهو خطأ كارثي غير مقبول نهائيا ، اذ يقبل الخطأ في العفو  ولا يقبل الخطأ في العقوبة  ، وان افلات الف مجرم خير من ادانة برئ واحد .
فسؤال القاضي نفسه ( فيما اذا كان هناك احتمال يرجح ان المتهم لم يرتكب الجريمة ) وجوابه عليه ، يعيد الى القاضي بعض توازنه الموضوعي ، فيما اذا كان قد فقده لتأثره العاطفي بالجريمة ، لانه انما يذهب الى التشدد لامتعاضه من نوع الفعل ، وليس لان المتهم ارتكبه ، ولكنه ينعكس لديه – نفسيا - على المتهم لانه الوحيد الذي تتجسد فيه الجريمة من اطراف الدعوى الماثلين امام القاضي ، فليس للجريمة من كيان او ممثل لينصب السخط عليه ، سوى المتهم الذي نسب اليه ارتكابها ، اي ان  تأثر القاضي من الجريمة وتشدده ضدها ، ينتقل او ينقلب الى تأثر ضد المتهم وتشدد ضده ، وبالتالي العمل ضد مصالحه ، لان القاضي يرى في المتهم – عاطفيا – ممثلا للجريمة المستنكرة شعوريا لديه ، ولا يفك الربط بين الجريمة والمتهم - لدى القاضي المتأثر عاطفيا - الا بذلك السؤال ، فحينما يجيب القاضي بان هناك احتمال لعدم ارتكاب المتهم للجريمة - وهو احتمال قائم دائما ولكن بنسب مختلفة - فأنه حينذاك ، سيفصل بين الجريمة والمتهم حينما يظهر لديه احتمال ان المتهم منقطع الصلة بالجريمة ، وان تأثره العاطفي لا يتوجب ان يتوجه ضد المتهم ، بل ضد الفاعل الاصلي الذي قد يكون شخص اخر غير المتهم .
فيعيد ذلك بعض توازن القاضي العاطفي ، وحينما يعيد النظر الى الادلة ، فأنه قد يفحصها بطريقة مختلفة ، تقوم فيها الاسس الموضوعية بنسبة اكبر .
الامر الثاني :- انعكاس تأثر القاضي عاطفيا على فرض العقوبة :- هناك عوامل كثيرة- خارج اطار القانون - يتأثر بها القضاة ، فتدفعهم اما الى التشدد و فرض عقوبة شديدة او التساهل في تخفيف العقوبة ([7])، من بينها التأثر العاطفي بالجريمة وظروفها ، فرغم ان الاصل وجوب التجرد في تحديد العقوبة التي يتوجب ان توقعها المحكمة بالمتهم وفقا للقانون ونظرة القانون للجريمة وخطورة المجرم ، الا ان القاضي كانسان قد تدفعه عاطفته الى انزال عقوبة غير مناسبة على فعل يحدد له القانون عقوبة اكبر او اقل .
فأذا استهجن ذوق القاضي الجريمة او اثارت عاطفته كأن يجد فيها جريمة بشعة - ولو لسبب شخصي مر في حياته هو  - فأنه قد يسعى الى فرض اقسى العقوبات - ليس بطريقة مطابقة للقانون ، فهذا لا غبار عليه ولو وقع تحت تأثير العاطفة  - بل يسعى القاضي الى ذلك بلي القانون او تطبيقه تطبيقا خاطئا او مبالغ به ، مثل ان ينحرف في تكييف فعل المتهم  ، كأن يكون فعل المتهم جريمة وفق المادة ( 405 ) من قانون العقوبات التي تعاقب بالسجن المؤبد ، فيسعى الى حشر اي ظرف مشدد منصوص عليه في المادة ( 406 ) من القانون المذكور من اجل الوصول الى الحكم على المتهم بالاعدام ([8])، او يمتنع عن استعمال الظروف القضائية المخففة رغم قيامها في المتهم او ظروف الجريمة ، او يستعلمها مع متهم يتأثر معه ويمتنع عن استعمالها مع متهم يتشدد ضده رغم تطابق الظرف لديهما ، كأن يكون كليهما شابين في مقتبل العمر .
اما اذا تعاطف القاضي مع الجريمة ، فأنه سيسعى الى تخفيف العقوبة عن المتهم ، ليس لان القانون يأمر بذلك ([9])، ولكن القاضي يؤثر حرف تطبيق القانون لمصلحة المتهم بتخفيف العقوبة عنه لانه متعاطف مع فعله ، مثلما حصل في اعتبار غسل العار باعثا شريفا ، اذ عدت المحاكم منذ امد بعيد ارتكاب الجريمة - ولو كانت قتل انسان - غسلا للعار جريمة مرتكبة بباعث شريف ، رغم ان ذلك مخالف لاحكام الشريعة الاسلامية ولاحكام القانون ، الا انه يتوافق مع التقاليد والاعراف العشائرية والاجتماعية البالية ، وهذا جعل المحاكم تنزل بعقوبة القتل غسلا للعار من الاعدام او السجن المؤبد الى الحبس لسنة واحدة او ستة اشهر وقد يكون مع وقف التنفيذ  استعمالا للمادتين 128 و130 من قانون العقوبات ([10]). ولم يكن تعاطف المحاكم مع هذا النوع من الجرائم واقفا عند تخفيف العقاب ، بل انه ذهب الى استخدام سلطة وقف التنفيذ ، والى التساهل في اثبات كون القتل وقع غسلا للعار ، بقبول ادلة بسيطة على سوء سلوك المجنى عليها او علاقتها باخر وغيرها مما يعد شرفا عرفيا ، رغم ان معظم تلك الادلة غالبا ما تكون اقوال لشهود مبنية على السماع والشك والاستنتاج ، كأن يشهد الشاهد بان المجنى عليها سيئة السلوك او تمارس البغاء وهذه استنتاجات وليست شهادة الا ان المحاكم قبلتها تعاطفا مع مجرمي غسل العار ، رغم ان هذا النوع من الجرائم قد اسيئ استخدامه لافلات مجرمين ارتكبوا جرائم قتل النساء لاسباب لا علاقة لها بالشرف .  
وعموما ، ورغم كل ما سقناه انفا ، لابد من القول بان الوصول الى سمو القاضي فوق ميوله وعواطفه امر غير ممكن مطلقا ، كما ان الوصول الى درجات عليا من التمسك بالموضوعية وتجنب الميول والعواطف عند فصل القضاة بالجرائم التي تعرض عليهم امر غاية في الصعوبة ، لانها مهارة لا يكتسبها القاضي بالدراسة والبحث ، بل هي فطرة صحيحة وموهبة متأصلة تحتاج الى صقل وتهذيب وتطوير بالتدريب المستمر ، لذلك فأننا نصر بان القضاء مهنة للموهبين فقط ، ولا يصلح لها كل من درس القانون ولو اصبح عالما فيه ، لانها ( اي مهنة القضاء ) تتطلب  مواهب بعينها ، لا يمكن ان تتوفر في كل من درس القانون او كل من اضحى عالما به .


                                                                                                     القاضي
                                                                                             رحيم حسن العكيلي    
                                                                                                 اذار / 2012



[1] - جاء الدستور العراقي الدائم لعام 2005 بنصين عالج في احدهما استقلال ( السلطة القضائية ) هو نص المادة ( 87 ) :- ( السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم ... ) وتعرض في الثاني ( لاستقلال القاضي ) في المادة ( 88 ) بقولها :- ( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة . ) .
[2] كانت الزوجة تلتقي بعشيقها في الحديقة الملحقة بالدار عن طريق باب جانبي حينما كان الزوج ذاهبا بعد الغروب لشراء ادوية ، وحينما عاد عادت الزوجة الى الدار ، ولانه لديه شكوك بعلاقة لها مع اخر ، فقد دخل الحديقة يفتش فيها في الظلام ، فوجد العشيق باحد زويا الحديقة فامسك بيده ، فاخرج العشيق مسدسه واطلق عليه طلقة واحدة اصابته في رأسه ، فمات ، فحكم على العشيق القاتل بالاعدام وفق المادة ( 406 / أ وج و ح ) من قانون العقوبات وفقا للاراء التي  قالت باستحقاقه لعقوبة الاعدام وفقا للمادة المذكورة اما باضافة ظرف ( سبق الاصرار الى جريمته ) او ( الدافع الدنئ ) او ظرف ( ارتكاب القتل للفرار على اثر جريمة او للتخلص من العقاب )  ، رغم اننا لا نجد اي ظرف مشدد في جريمته ، وان فعله ينطبق واحكام المادة ( 405 ) من قانون العقوبات التي تعاقب بالسجن المؤبد ، لعدم وجود سبق اصرار مطلقا ، ولان مجرد اللقاء بين عشيقين ولو كانت المرأة متزوجة لايعد جريمة ، وان دخوله الحديقة الملحقة بالدار كان بأذن صاحبة الدار وهي الوحيدة التي كانت موجودة فيها ، ولان الدافع على القتل لم يكن دنيئا ، لان انما قتل الرجل دفاعا عن سمعته وسمعة عشيقته وعدم افتضاح امر علاقتهما ، وهو في حد ذاته - وبعيدا عن النظر الى جريمة القتل - لايعد دافعا دنيئا .  
[3] حكم على متهم بالسجن مدى الحياة عن جريمة اللواط بأبنة اخته رغم ان الدليل الوحيد هو اعترافه الذي رجع عنه في المحاكمة و الذي لا يتفق مع التقرير الطبي الذي اكد عدم وجود علامات اللواط لا الحديث ولا القديم لدى الطفلة ، ورغم ان ظروف الجريمة وظروف القاء القبض على المتهم كانت تدل على انه اكره على الاعتراف ، لان الفتاة خرجت الى نقطة التفتيش القربية من دار المتهم عارية ، والقي القبض على المتهم بعدها بساعات حينما وجد نائما في احد غرف داره وهو مخمور ، والحقيقة ان الثابت هو خلع ملابس الطفلة فقط وليس مواقعتها . الا انه حكم عن جريمة الاغتصاب اخذا باعترافه المشكوك حتما به .
[4]  قد تقع مثل تلك الممارسات لاسباب اخرى كثيرة غير التأثر العاطفي للقضاة بالجريمة او ظروفها ، لكننا نقتصر عنها على البحث في هذه النقطة فقط .
[5]  ان اعتبار افادة المجنى عليها كافية للادنة في جرائم اللواط والاغتصاب هو مبدأ فرعوني معروف ذكره القرآن الكريم في قصة النبي يوسف ( ع ) اذ انه اودع في السجن بافادة زوجة العزيز لوحدها ، وهو يتعارض قطعا مع نظرة الشريعة الاسلامية في التشدد الكبير في اثبات مثل تلك الواقعة الخطيرة ، التي تتطلب في اثبات الزنا اربعة شهود بشرط ان يشهدوا بانهم جميعا شاهدوا الادخال كالميل في المكحلة ، وهو اقرب للمستحيل من الناحية العملية .
[6] حكم على شاب بالسجن مدى الحياة عن اتهامه بملاوطة انثى في السابعة عشرة من عمرها في دارها في حوالي الساعة العاشرة صباحا رغم انكاره ، وعدم وجود ولو شاهد واحد على دخوله دارها او خروجه منه او ايقاف سيارته في باب دار اهلها سوى افادتها الوحيدة والتقرير الطبي الذي يقول بوجود اثر في شرجها يمكن ان يكون محدث بقضيب منتصب ، رغم تقاطع افادة المجنى عليها مع الادلة المادية المتوفرة في القضية  ، اذ انها ادعت بانه قذف على ظهرها وملابسها ، واظهر الفحص الطبي عدم وجود اي اثار للمني لا على ملابسها ولا جسدها ، كما يستحيل عقلا ان يصدق ان شاب واحدا قادرا على امساك فتاة شابة لوحده وخلع ملابسها ثم خلع ملابسه وادخال قضيبه وهو ممسك بهاتف نقال يصوره بها وفق ما ادعت المجنى عليها ، كما ان والدها شهد بان ابنته لم تدع مواقعتها بل خلع ملابسها فقط وصورها ، وشهدت والدتها بعد ثلاثة اشهر من الحادث بان ابنتها لم تخبرها بانه واقعها بل حاول ذلك فقط ، فالمتهم ادين على شهادة المجنى عليها لوحدها ، لان الاثر في شرج المجنى عليها وفق التقرير الطبي لا يربطه بالمتهم اي شئ ، وهو يمكن ان يكون قد احدث بالة ما قبل الحادث او حتى بعده لا المجنى عليها فحصت في اليوم التالي للحادث ، فرغم ان افادة المجنى عليها تعطي شكا بان المتهم ارتكب الفعل ، لكنها لا تعطي يقينا بانه ارتكبه ، فلا يجوز ادانته بهذه الجريمة التي تصل عقوبتها الى السجن مدى الحياة - وهي العقوبة المعادلة للاعدام شنقا حتى الموت - بل هي في نظر البعض اقسى منها .
[7] سألت عام 2010 طلابي في المعهد القضائي ماذا يحكمون على بنت قتلت ابيها بعد ان واقعها ، قالوا بالحبس سنة مع وقف التنفيذ ، فسألتهم وماذا تحكمون على اخوين  لاحقوا اختهم الفارة منهم فقتلوها فقالوا بالحبس سنة مع وقف التنفيذ ، فسالتهم عن طبيب شاب عمره ( 30 ) عاما يواقع طفل عمره سبع سنوات في دار الايتام التي يعمل بها ، فقالوا نحكم عليه بالاعدام شنقا ، فسالتهم هل راجعتم النصوص هل كيفتم الافعال ، هل وجدتم ان ظروف التخفيف او التشديد متوفرة او غير متوفرة طبقا لنصوص القانون ، فأجابوا بالنفي ، انما حكمنا على تأثرنا بالجرائم وظروفها بغض النظر عما تقول به القوانين .  
[8] اعترف المتهم بانه قتل الطفل ( الاصم الابكم ) بطعنه بواسطة قضيب حديدي ( شيش ) وجد في الهيكل الفارغ الذي كان يواقع عشيقته الارملة فيه ، بعدما دخل عليهما وهما يمارسان الجنس فجأة ، وانكرت العشيقة ذلك ، فحكم بالافراج عنها لعدم كفاية الادلة ، ورجع المتهم عن اعترافه امام محكمة الجنايات ، الا انه حكم بالاعدام شنقا حتى الموت ، وفق المادة ( 406 ) واختلف من قالوا بتكييف الفعل على هذه المادة على الظرف المشدد ، فذهب رأي الى انه طرقا وحشية في القتل وفق الفقرة ( 1 / ج ) من المادة ( 406 ) من قانون العقوبات ، ولا شك ان ذلك غير مقبول لان القتل وقع بقضيب وجده المتهم في محل الحادث وهي الاداة الوحيدة التي توفرت لديه ، ولابد للقتل من ان يقع بطريقة ما ، والا لما كان قتلا ، اما الرأي الثاني فذهب الى انه قتل للفرار من الجريمة او التخلص من العقاب وفقا للفقرة ( 1 / ح ) من المادة المذكورة وهو ايضا غير وارد لان المتهم وعشيقته الارملة كانا يمارسان الجنس بالرضا ولا جريمة في ذلك ، وكون الطفل المقتول اصم ابكم ينفي احتمال قصد المتهمين من قتله التخلص من العقاب ولو كان فعلهما جريمة على فرض انهما كانا يعلمان بأنه اصم ابكم وهو مستبعد في ضوء ظروف الجريمة . لذلك فأن فعله ينطبق واحكام المادة ( 405 ) من قانون العقوبات وكان يتوجب الحكم عليه بالسجن المؤبد فقط وليس الاعدام .
[9] لا اعتراض على تخيف العقوبة وفقا لما ينص عليه القانون ولو في جريمة تتطلب فعليا عقوبة اشد بكثير من الناحية العملية ، مثلما يحصل في تطبيق المادة ( 409 ) من قانون العقوبات التي تنزل بعقوبة القتل ( ولو كان قتل شخصين ) الى الحبس لمدة ثلاث سنوات فقط ، لان القاضي هناك انما ينطبق القانون النافذ ولو كان غير ملائم ، انما الاشكال – هنا – يقع على السلطة التشريعية التي تبقي عقوبة جريمة كهذه بمستوى لا يتلائم مع خطورتها.  
[10] نصت المادة (128 ) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 :- ( ... يعتبر عذرا مخففا ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة او بناء على استفزاز خطير من المجنى عليه بغير حق ) فعدت المحاكم العراقية غسل العار باعثا شريفا لارتكاب الجريمة ، وخففت العقوبة طبقا للمادة ( 130 ) من قانون العقوبات التي تنص : ( اذا توفر عذر مخفف في جناية عقوبتها الاعدام نزلت العقوبة الى السجن المؤبد او المؤقت او الى الحبس الذي لا تقل مدته عن سنة ، فأن كانت عقوبتها السجن المؤبد او المؤقت نزلت الى عقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن ستة اشهر ... ) .
بسم الله الرحمن الرحيم

تطبيقات جزائية خاطئة

                                                                                              القاضي
                                                                                                رحيم حسن العكيلي
على خلاف القضاء العراقي المدني الذي ظل محتفظا بقدرة ما على التحسين والتطوير والتغيير ، والمشاكسة العلمية الواعية احيانا ، سار القضاء الجزائي في العراق في تطبيقاته على اعراف وقواعد رصينة استقرت منذ امد بعيد واخذها الخلف من القضاة عن السلف منهم ، دون ان يتجرأ احد على مراجعتها بحثا في مدى دقتها ومدى تطابقها مع نصوص القوانين التي تستند اليها ، ولم تجر او لم تنجح محاولات تغييرها سواء اكان ذلك لمجرد الرغبة  في التغيير او لرغبة في التطوير و التحسين ، او حتى لمجرد المراجعة المشاكسة .
منها :-
اولا :- اشكالات في الاستدلال والاجراءات :-
1-      الاستدلال بـ ( مواد الاشتراك 47 و48 و49 ) من قانون العقوبات :-  استقرت المحاكم الجزائية العراقية  على الاستدلال بالمواد ( 47 و48 و49 ) من قانون العقوبات مجتمعا تحت اسم ( مواد الاشتراك ) متى ما وجد اكثر من متهم في الدعوى بغض النظر عن نوع مساهمتهم في الجريمة ، اي انها تستدل بالمواد الثلاث مجتمعا ، دون الالتفات الى كون المتهمين هم فاعلين و شركاء ام فاعلين فقط ، ام شركاء فقط ، رغم ان تعدد المتهمين لا يعني – دائما - ان يكون بعضهم فاعلا وبعضهم شركاء ، اذ قد يكونوا جميعا ( فاعلين ) وقد يصادف ان يكون بعضهم ( شركاء ) ، او انهم كلهم من الشركاء فقط. 
فالتطبيق القضائي في الاستدلال بتلك المواد فيه ثلاثة اشكالات :-
الاشكال الاول :- تسميتها بـ ( مواد الاشتراك ) ، لانها في الحقيقة ( مواد المساهمة ) وليست ( مواد الاشتراك ) و (  المساهمة ) مصطلح يشمل صنفين من ( المساهمين ) في ارتكاب الجريمة هم ( الفاعلين ) و ( الشركاء ) ، وهذه هي تسمية قانون العقوبات لتلك المواد ، اذ حمل الفصل الخامس من الباب الثالث من الكتاب الاول من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل عنوان ( المساهمة في الجريمة ) وهو الفصل الذي تضمن المواد 47 و48 و49 منه .
الاشكال الثاني :- اما الاشكال الثاني فهو عدم التمييز بين الفاعلين والشركاء ، فالقضاء الجزائي العراقي يستعمل المواد الثلاث مجتمعة  دون ملاحظة التفريق فيما اذا كان التعدد لفاعلين اصليين للجريمة ام شركاء فقط او فاعلين وشركاء ، رغم ان المادة ( 47 ) لها علاقة بـ ( الفاعلين )ولا علاقة لها بالشركاء ، في حين ان المادة ( 48 ) تحدد اصناف ( الشركاء ) ولكنها منقطعة الصلة بالفاعلين ، في حين تضيف المادة ( 49 ) صنف اخر من الفاعلين يضاف الى الاصناف الذين اشارت اليهم المادة ( 47 ) حينما يتحول الشريك الى فاعل لحضوره ارتكاب الجريمة كلها او بعضها  ، فهو ( اي القضاء الجزائي ) يستدل بالمواد الثلاث محل البحث  في جريمة ارتكبها ثلاثة اشخاص اجهزوا على المجنى عليه بطعنه بالسكاكين اثر مشاجرة عابرة ، ويستعملها مع متهمين كان احدهم يراقب والاخر دخل فاخرج المسروقات ، ويستعملها جميعا - ايضا - مع عشيق قتل الزوج بتحريض من الزوجة ، ويستعملها معا ولو كان دور المتهم تقديم المساعدة في الاعمال المجهزة او المسهلة او المتممة لارتكاب الجريمة ، رغم ان القتلة الثلاث في المثال الاول هم فاعلون وليس بينهم شريك ، وكذلك السراق في المثال الثاني ، فكلاهما ( فاعل ) وليس بينهم شريك ، وفي المثال الثالث فأن القاتل فاعلا اما الزوجة فشريك بالتحريض ، وفي المثال الثالث فأن المتهم شريك فقط ، وكل ذلك تطبيق لا يتفق مع المعنى الدقيق لتلك المواد القانونية البالغة الاهمية ،.
الاشكال الثالث :- وكان عدم التفريق بين المساهمين في الجريمة بصفاتهم فيها  كفاعلين او شركاء هو السبب في الاشكال الثالث وهو الاستدلال بالمواد الثلاث معا بطريقة آلية في كل جريمة فيها اكثر من متهم بعض النظر عن كونهم فاعلين ام شركاء ، ودون الالتفات الى حصر استعمال كل مادة  بل وكل فقرة في مادة من المواد الثلاث فيما تنطبق عليه من المتهمين ، اذ يتوجب الاستدلال بالمادة ( 47 ) فقط فيما اذا كان المتهمون في الدعوى هم من صنف الفاعلين فقط ، كما في حالة قتل المجنى عليه بطعنه من ثلاثة اشخاص ، اذ ان المادة المذكورة حددت مفهوم ( الفاعل ) بقولها :-
( يعد فاعلا للجريمة :- 1- من ارتكبها وحده او مع غيره . 2- من ساهم في ارتكابها اذا كانت تتكون من جملة افعال فقام عمدا اثناء ارتكابها بعمل من الاعمال المكونة لها . 3- من دفع باية وسيلة شخصا على تنفيذ الفعل المكون للجريمة اذا كان هذا الشخص غير مسؤول جزائيا عنها لاي سبب .) .
ومن الخطأ اضافة المواد 48 و49 مع المادة ( 47 ) في حالة كون المتهمين في الدعوى هم من الفاعلين فقط ، اما اذا كان المتهم او المتهمون في الدعوى من الشركاء وليسوا من الفاعلين فيتوجب الاستدلال بالمادة ( 48 ) فقط دون المادتين ( 47 و49 ) ، فالشريك طبقا لنص المادة ( 48 ) هو :-
( 1- من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض ز 2- من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت بناء على هذا الاتفاق . 3- من اعطى الفاعل سلاحا او آلات او اي شئ اخر مما يستعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها او ساعده عمدا باي طريقة اخرى في الاعمال المجهزة او المسهلة او المتممة لارتكابها ) .
اما المادة ( 49 ) فلا تطبيق لها الا في حالة واحدة ، حينما يتحول ( الشريك ) الى ( فاعل ) اذا ما حضر اثناء ارتكاب الجريمة كلها او اثناء ارتكاب فعل من الافعال المكونة لها ، ولا يجوز الاستدلال بها الا في هذه الحالة .  
2-       دعوة المدعي بالحق المدني وتدوين اقواله  بلا طلب منه :- سارت محاكم التحقيق على دعوة المدعي بالحق المدني من تلقاء نفسها لتدوين اقواله ، رغم انه لا يحمل صفة اخرى غير صفته كمدع بالحق المدني ، مثل الوزرارت والاشخاص المعنوية ، و زوجة ووالدي وابناء المقتول ، خلافا للقواعد العامة ، وخلافا لنص المادة ( 10 ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية التي نصت :-
( لمن لحقه ضرر مباشر مادي  او ادبي من اية جريمة ان يدعي بالحق المدني ضد المتهم والمسؤول مدنيا عن فعله ... بعريضة او طلب شفوي ... ) .
اي ان المدعي بالحق المدني يتقدم من تلقاء نفسه لـ ( يدعي ) بحقه المدني  اما بطلب تحريري او بطلب شفوي يثبت في المحضر ، فهو مدع مدني شأنه شأن المدعي المدني امام المحاكم المدنية  ، فلا يصح للمحكمة دعوته بهذه الصفة ( اي كمدع بالحق المدني ) بدليل ان عنوان الفصل الذي ورد فيه نص المادة ( 10 ) هو ( تدخل المدعي بالحق المدني ... ) ، ولفظ ( التدخل ) يعني ان يبادر المدعي المدني فيتدخل في الدعوى الجزائية مطالبا بحقه في التعويض عما له من ضرر بسبب الجريمة ، وليس لمحكمة التحقيق او السلطات التحقيقية دعوته ليقيم دعواه المدنية ، لان ذلك اشبه بقيام محكمة البداءة بدعوة شخص ما ليقيم الدعوى على اخر بحق له عليه ، وهو امر غير مقبول قطعا .
 ولعل السبب من خلف هذا التطبيق المخالف للقانون في الدعاوى الجزائية  ، هو عدم التفريق الدقيق بين الصفات التي قد يحملها الاشخاص الذين لهم صلة بالدعوى الجزائية ، خصوصا صفات المشتكي والمدعي بالحق المدني والمسؤول مدنيا والمجنى عليه والشاهد ، خاصة حينما يحمل الشخص نفسه اكثر من صفة واحدة في الدعوى ذاتها ، والصحيح من تلك الصفات هي ان المجنى عليه هو المتضرر المباشر الذي تقع عليه الجريمة كمن يقتل او يسرق او تقطع يده ، او يضرب او يسب او يهدد او يغتصب او ينتهك عرضه ، ولا يعد مجنى عليه من يتضرر  من الجريمة مباشرة الا انها لا تقع عليه كابناء وزوجة المقتول ووزارة التربية او التعليم العالي مثلا في تزوير الشهادة الدراسية ووزارة الثقافة في نبش التلول الاثرية ، ومفوضية الانتخابات في جرائم رشوة الناخبين او شراء الاصوات [1]، فهؤلاء مدعين بالحق المدني وليسوا مشتكين ولا مجنى عليهم ، والمشتكي هو المجنى عليه ، الذي يحق له حصرا تحريك الدعوى بشأنها على فرض انها من الدعاوى التي لا تحرك الا بناء على شكوى المجنى عليه ، وتختلف احكام الدعوى بالحق المدني  للمشتكي ( المتضرر المباشر من الجريمة ) التي تحكمها المادة ( 9 ) الاصولية ، عن احكام الدعوى بالحق المدني للمدعي بالحق المدني ( المتضرر غير المباشر من الجريمة ) التي تحكمها المواد ( 10 ) الاصولية ، ولكنهما كلاهما مدعيان عاديان فيما يتعلق بحقهم المدني فلا يجوز دعوتهم لتدوين اقوالهم كمدعين بالحق المدني ، والا فأن محاكم الجزاء في  مثل هذا التطبيق كأنها محكمة بداءة يدعو القاضي فيها الناس ليقيموا دعاوى بحقوقهم على الاخرين .
لكن قد يقع احيانا ان يحمل المشتكي او المدعي بالحق المدني  صفة اخرى في الدعوى حينما تكون له شهادة على الواقعة ، كالزوج التي تشاهد زوجها يقتل ، فتلك مدعية بالحق المدني وهي شاهدة ايضا على الجريمة ، فهذه يصح دعوتها لتدوين اقوالها كشاهدة ، ولا يصح للجهات التحقيقية ان تبادر من تلقاء نفسها لتدوين اقوالها كمدع بالحق المدني ، او تسألها عن ذلك ، الا اذا طلبت - هي من تلقاء نفسها - ان تدعي بحقها في التعويض في الدعوى الجزائية اما بطلب تحريري او بطلب شفوي يثبت في المحضر وفقا لاحكام المادة ( 10 ) الاصولية .
ومن الاسلم التفريق في الاجراءات بين هاتين الصفتين لمنع التداخل والاختلاط بينهما في التطبيق والاحكام وطرق التعامل ، وفق ما هو حاصل حاليا .
ثانيا :- اشكالات في استعمال المصطلحات الصحيحة  واللغة :-
1-      غلق التحقيق :-  سارت محاكم الجزاء على استعمال عبارة ( غلق التحقيق ) حينما تتخذ قراراتها بالغلق طبقا لاحكام المواد ( 8 ) و ( 130 / أ و وب وج ) الاصولية ، في حين ان قانون اصول المحاكمات الجزائية خاليا تماما من عبارة ( غلق التحقيق ) ، لانه يستعمل عبارة ( غلق الدعوى ) في كل المواضع التي امر بها في اتخاذ القرار بالغلق سواء امر بالغلق بصفة اصلية ([2])، ام امر به تبعا لقرار رفض الشكوى ([3])، او تبعا لقرار الافراج  ([4]).
2-      الاجابة على التهمة ( برئ ام مذنب ) :- استقرت محاكم الموضوع على تثبيت اجابة المتهم على ورقة التهمة عن التهمة الموجة اليه بـ ( مذنب ام برئ ) ، بل طبع نموذج ورقة التهمة الموزع على المحاكم بهاتين الكلمتين ، رغم ان الفقرة ( ج ) من المادة ( 181 ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية  رقم 23 لسنة 1971 المعدل تنص على ان المحكمة تسأل المتهم ان كان ( يعترف ام ينكر ) ، وليس ( مذنب ام برئ ) بقولها :- ( اذا تراءى للمحكمة بعد اتخاذها الاجراءات المذكورة ان الادلة تدعو الى الظن بان المتهم ارتكب جريمة من اختصاصها النظر فيها فتوجه اليه التهمة التي تراها منطبقة عليها ثم تقرؤها عليه وتوضحها له ، وتسأله ان كان يعترف بها او ينكرها .) ، والحقيقة ان الاجابة باحدى الكلمتين يترتب نتائج غاية في الاهمية يبنى عليها الزامية وجود محاكمة من عدمه ([5])، واستعمال المصطلح الخطأ في هذا الموضوع يحرف تطبيق النص على مساره .
3-      الاحتفاظ بمراجعة المحاكم المدنية :- استقرت محاكم الجزاء على ذكر عبارة :- ( الاحتفاظ للمشتكي  او المدعي بالحق المدني ( الشخصي ) بحق المطالبة بالتعويض امام المحاكم المدنية  ) في كل الحالات التي تعزف فيها المحكمة عن الفصل  في الدعوى المدنية تبعا للدعوى الجزائية  ، حينما تجد بان الفصل فيها يتقضي اجراء تحقيق يؤخر الفصل في الدعوى الجزائية  ، في حين ان المادة ( 19 ) الاصولية توجب على المحكمة اتخاذ القرار بـ ( رفض الدعوى المدنية ) بقولها :- ( اذا رأت المحكمة ان الفصل في الدعوى المدنية يقتضي اجراء تحقيق يؤخر الفصل في الدعوى الجزائية فترفض المحكمة الدعوى المدنية على ان يكون للطالب الحق في مراجعة المحاكم المدنية ) فالنص صريح بان القرار الذي تتخذه المحكمة الجزائية هو ( رفض الدعوى المدنية ) وليس الاحتفاظ بحق المطالبة بالتعويض امام المحاكم المدنية ، اما الحالة التي تقرر فيها المحكمة الجزائية ( بان للمدعي المدني الحق في الرجوع الى المحكمة المدنية ) فهو ما نصت عليه المادة ( 25 / أ ) الاصولية وهي حالة نادرة الحدوث في الحياة العملية ، اذ تنص :-
( اذا رفع المدعي المدني دعواه الى المحكمة المدنية قبل رفع الدعوى الجزائية جاز له ان يدعي بالحق المدني امام المحكمة الجزائية بشرط ان يطلب من المحكمة المدنية ابطال عريضة دعواه ، وليس له في هذه الحالة تجديد دعواه امام المحكمة المدنية الا اذا قررت المحكمة الجزائية ان له الحق في الرجوع الى المحكمة المدنية ما لم يكن قد صرح بتنازله عن الحق المدني ذاته . ) . مع ملاحظة ان عبارة ( الاحتفاظ للمشتكي او المدعين بالحق المدني ( الشخصي ) بحق المطالبة بالتعويض امام المحاكم المدنية ) عبارة لم يستعملها القانون مطلقا ، فلم ترد في النصوص عبارة ( حق المطالبة بالتعويض ) نهائيا لانها عبارة توحي :- ( بان له حق ثابت في التعويض ) ، رغم انه قد لا يستحق تعويضا لعدم قيام عنصر الضرر مثلا ، او لانه يستحق شئ اخر غير التعويض ( وقد يستحقه مع التعويض او يستحقه بلا تعويض ) كنشر معلوما ما ، او رد المال المسروق، او رد الامانة كأن تكون لوحة فنية لها قيمة ادبية للمجنى عليه وهو لا يريد سواها ، لذلك جاء القانون بعبارة  اخرى غاية في الدقة هي ( الحق بالرجوع او مراجعة المحاكم المدنية ) وترك للمدعي ان يطالب بالتعويض او بشئ غيره او بهما معا .
لذا يتوجب الحكم ( برفض الدعوى المدنية ) وليس ( بالاحتفاظ بحق المطالبة بالتعويض )  في كل حالات عدم فصل المحكمة الجزائية في الدعوى المدنية سوى الحالة المنصوص عليها فـــــــي المادة ( 25 / أ ) الاصولية ، التي يتوجب الحكم بها في هذه الحالة  ( بحق الرجوع الى المحكمة  المدنية ) ، وليس  ( بالاحتفاظ بحق المطالبة بالتعويض )  .
4-      الغاية في احتساب الموقوفية :- سارت محاكم الموضوع على احتساب الموقوفية للمتهم المحكوم ابتداءا من تاريخ توقيفه الى اليوم الذي يسبق الحكم عليه ، فلو صدر الحكم عليه بعقوبة مقيدة للحرية يوم 5/ 12 / 2011 فان المحكمة ستنص على احتساب الموقوفية من تاريخ توقيفه ( لغاية 4 / 12 / 2011 ) اي لغاية اليوم السابق على تاريخ صدور الحكم ، وهو خطأ لغوي لانه يتوجب النص على احتساب الموقوفية من تاريخ ابتداء التوقيف الى يوم الحكم عليه وليس الى اليوم الذي يسبقه ، اي باستعمال عبارة ( لغاية 5 / 12 / 2011 ) وليس ( لغاية 4 / 12 / 2011 ) لان كلمة ( لغاية ) تعني ( انتهاء الغاية ) بمعنى ( الى ) فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها ، مثل قوله تعالى ( واتموا الصيام الى الليل ) فلا يدخل في الصيام اي جزء من الليل ، لذا يتوجب ان تكون نهاية الموقوفية المحسوبة بيوم الحكم وليس باليوم الذي يسبقه ، مراعاة لصحة لغة قرارات المحاكم .
ومع كل الذي اشرنا اليه انفا ، فأن التراث الجزائي القضائي العراقي حافل بعلم غزيز واجتهادات رائعة ، الا اننا – كجيل ورث ذلك – يتوجب بنا ان نكون بقدر هذا الارث وبقدر اصحابه ، ليس في شئ الا باجتهادهم وكونهم لم يشابهوا الا انفسهم ، فلا يعد قاضيا من ليس له قدرة الاجتهاد بما يحقق تطويرا او تحسينا او تجديدا او تغييرا – مجرد التغيير - على اقل تقدير .

                                                                                        القاضي
                                                                                 رحيم حسن العكيلي
                                                                                    اذار / 2012



[1] - تسير بعض المحاكم على تحليف الممثل القانوني للوزارة او للشخص المعنوي اليمين قبل تدوين افادته ، رغم انه لا يحمل اي صفة في الدعوى سوى انه وكيل عن المدعي المدني ، ولا يقبل مطلقا اجبار وكيل المدعي المدني بل ولا المدعي المدني نفسه  على حلف اليمين عن ادعاءه ، باي حال من الاحوال ، الا وفقا لقواعد توجيه اليمين الحاسمة بالنسبة للمدعي دون وكيله ، وهو انما يحلفه بارادته وليس جبرا عليه ، كما ان وكيل الشخص المعنوي انما يمثل شخصية قانونية افتراضية لا ضمير لها ، فلا تحلف لا هي ولا وكيلها اليمين ، لان هذا ( اي اليمين ) مرتبط بضمير الانسان وبتدينه احيانا ، والشخص المعنوي لا ضمير ولا دين له .
[2] - امر قانون اصول المحاكمات الجزائية باتخاذ قرار ( بغلق الدعوى ) بصفة اصلية بنص المادة ( 130 / ج ) منه :- ( اذا وجد القاضي ان الفاعل مجهول او ان الحادث وقع قضاءا وقدرا فيصدر قرارا بغلق الدعوى مؤقتا ) .
[3] - امر قانون اصول المحاكمات الجزائية باتخذ قرار الغلق تبعا لقرار رفض الشكوى في المادة ( 8 ) منه :- ( اذا اشترط القانون لتحريك الدعوى الجزائية تقديم شكوى فلا يتخذ اي اجراء ضد مرتكب الجريمة الا بعد تقديم الشكوى ويعتبر المشتكي متنازلا عن شكواه بعد تقديمها اذا تركها دون مراجعة مدة ثلاثة اشهر دون عذر مشروع ، ويصدر قاضي التحقيق قرارا برفض الشكوى و غلق الدعوى نهائيا . ) وفي المادة ( 130 / أ ) الاصولية :- ( اذا وجد قاضي التحقيق ان الفعل لا يعاقب عليه او ان المشتكي تنازل عن شكواه وكانت الجريمة مما يجوز الصلح عنها دون موافقة القاضي او ان المتهم غير مسؤول قانونا بسبب صغر سنه فيصدر القاضي قرارا برفض الشكوى وغلق الدعوى نهائيا . ) .
[4] - امر قانون اصول المحاكمات الجزائية باتخاذ قرار الغلق تبعا لقرار الافراج بنص المادة ( 130 / ب ) منه :- ( ... اما اذا كانت الادلة لا تكفي لاحالته فيصدر قرار بالافراج عنه وغلق الدعوى مؤقتا مع بيان اسباب ذلك . )
[5] - ترتب الفقرة ( د ) من المادة ( 181 ) الاصولية نتائج اجرائية عملية على اجابة المتهم على التهمة بالقول ( يعترف ام ينكر ) بقولها :- ( اذا اعترف المتهم بالتهمة الموجهة اليه واقتنعت المحكمة بصحة اعترافه وبانه يقدر نتائجه فتستمع الى دفاعه وتصدر حكمها في الدعوى بلا حاجة الى دلائل اخرى ، اما اذا انكر او لم يبد دفاعا او انه طلب محاكمته او رأت ان اعترافه مشوب او انه لا يقدر نتائجه او ان الجريمة معاقب عليها بالاعدام فتجري محاكمته عنها وتسمع شهود دفاعه وباقي الادلة التي طلب الاستماع اليها لنفي التهمة عنه ... )