الاثنين، 2 فبراير 2015

مقارنة مختلة بين الدستورين العراقي والمصري الجديد
الحلقة الاولى :- حرية التعبير والتظاهر السلمي
                                                                                              القاضي
                                                                                                 رحيم حسن العكيلي
اختصر الدستور العراقي الاشارة الى حريات :- 1- التعبير 2- الصحافة والاعلام. 3- الاجتماع والتظاهر السلمي في مادة واحدة ، بسطرين ، في ( 36 ) كلمة فقط ، اكتفى بها مع اختصار مخل شديد ، مما عرض الحريات الثلاث لخطر شديد وتحديات جدية كبيرة ،هي المادة ( 38 ):- ( تكفل الدولة ، بما لايخل بالنظام العام والاداب :- اولا :- حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل . ثانيا :- حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر . ثالثا :- حرية الاجتماع والتظاهر السلمي ، وتنظم بقانون . )
اما الدستور المصري الجديد فأنه عالج المواضيع الثلاث - التي عالجها الدستور العراقي بمادة واحدة - في خمس مواد تضمنت ( 255 ) كلمة تعادل ستة اضعاف النص العراقي ، وبطريقة مختلفة تماما ، كفل بموجبها تلك الحقوق والحريات وضمن عدم التعدي عليها او تعطيلها ، فنص في المادة ( 45 ) على حقي ( 1- حرية الرأي او الفكر . 2- حرية التعبير عن الرأي ) بقوله :- ( حرية الفكر مكفولة ، ولكل انسان حق التعبير عن رأيه بالقول او الكتابة او التصوير او غير ذلك من وسائل التعبير . )
ونص في المادة ( 47 ) على الحق بالحصول على المعلومات باعتباره حق متفرع عن الحق فــــــــــــي التعبير بقوله :- ( الحصول على المعلومات والبيانات والاحصاءات والارقام والوثائق والافصاح عنها وتداولها حق تكفله الدولة لكل مواطن ، بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة وحقوق الاخرين ولا يتعارض مع الامن القومي . وينظم القانون قواعد ايداع الوثائق العامة وحفظها ، وطريقة الحصول المعلومات ، والتظلم من رفض اعطائها ، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة . )
وعالج في مادة مستقلة اخرى حرية الصحافة والاعلام بقوله :- ( حرية الصحافة والطباعة وسائر وسائل الاعلام مكفولة ، وتؤدي رسالتها بحرية واستقلال لخدمة المجتمع والتعبير عن اتجاهات الرأي العام والاسهام في تكوينه وتوجيهه في اطار المقومات الاساسية للدولة والمجتمع والحفاظ على الحريات والواجبات العامة ، واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات الامن القومي ، ويحظر وقفها او غلقها او مصادرتها الا بحكم قضائي . والرقابة على ما ما تنشره وسائل الاعلام محظورة ، ويجوز استثناءا ان تفرض عليها رقابة محددة في زمن الحرب او التعبئة العامة . )
وعالج في المادة ( 49 ) منه حرية اصدار الصحف بقوله :- ( حرية اصدار الصحف وتملكها ، بجميع انواعها ، مكفولة ، بمجرد الاخطار لكل شخص مصري طبيعي او اعتباري . وينظم القانون انشاء محطات البث الاذاعي والتلفزيوني ووسائط الاعلام الرقمي وغيرها ).
وفي المادة ( 50 ) منه عالج الاجتماع والتظاهر السلمي بقوله :- ( للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السليمة ، غير حاملين سلاحا ، ويكون ذلك بناء على اخطار ينظمه القانون . وحق الاجتماعات الخاصة مكفول دون اخطار ولا يجوز لرجال الامن حضورها او التصنت عليها . )
ودعونا نقارن  باختصار شديد بين احكام الدستورين في ( حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي ) فقط في هذا المقال ، لنعود في مقال اخر لمقارنة احكام الدستورين في حرية الصحافة والاعلام وفي مواضيع اخرى .
واهم الفروق بين الدستورين في تناول حق التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي هي :-
1-      ان الدستور العراقي قيد ( حرية التعبير)  و( حرية الاجتماع والتظاهر السلمي ) بقيدين مطاطيين خطيرين هما ( النظام العام ) و ( الاداب ) .  والمعروف ان مثل هذين القيدين هما مقتل للحريتين او الحقين المذكورين ، حينما تستغلهما السلطة التنفيذية لتعطيل حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي ، فما اسهل من الادعاء بان ممارسة تلك الحقوق قد تجاوزت الاداب او خرقت النظام العام ، خصوصا وان هذين المفهومين ( النظام العام والاداب ) مصطلحين مطاطيين لم يتمكن احد - لحد الان - من تحديد مفهوم واضح لهما ابدا . في حين لم يقيد الدستور المصري الجديد لا حرية التعبير ولا حرية الاجتماع والتظاهر السلمي باي قيد مطلقا ، فهما حقان مطلقان يمارسهما الناس بلا خوف من ان يدعي ( تنفيذي باغ ) او ( قاض ذليل تابع ) بان هناك تجاوز لحدود الحق في التعبير او لحدود الحق في الاجتماع او التظاهر السلمي  .
2-      قطع ( الدستور المصري الجديد ) كل جدال ونقاش في كون الاجتماع والتظاهر السلمي يحتاج الى ( اذن ) باقامة الاجتماع او التظاهر السلمي من السلطات ، ام انه لا يحتاج الا الى ( اخطار ) بهما فقط ، فنص على ان اقامتهما لا يحتاج الا الى ( اخطار ) فقط ، وليس للسلطات – بالتالي – حق منع احد من اقامة اجتماع عام  او خاص او تظاهرة سليمة لاي سبب مهما كان ، ولا يجوز للسلطة التشريعية ولا لرئيس الوزراء ولا لرئيس الجمهورية ان يمنع احد من اقامة اجتماع عام او تظاهرة سليمة ، ولا يمكنهم اصدار قانون او قرار او امر بمنع ذلك باي حال من الاحوال وتحت اية حجة من الحجج . 
بينما ترك الدستور العراقي الامر سائبا ، لذا فأن السلطة التنفيذية وتابعيها في مجلس النواب يصرون على النص في ( مشروع قانون تنظيم حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي ) - الذي كان معروضا على مجلس النواب في فترة سابقة - بمنع اقامة اي اجتماع او تظاهر السلمي الا بأذن من الجهات الادارية المختصة ، ولهذه الجهة الادارية - بتحكم مزاجي كامل لا ضوابط ولا اسس - الحق في الاذن او رفض اعطاء الاذن ، فهي سترخص من الاجتماعات والتظاهرات التي تحلو لها وتمنع من لا يروقها اقامتها او تقييد عليها من حيث المكان او الزمان .
 فيكون حق الناس في التعبير عن مطالبهم وارائهم عن طريق الاجتماع والتظاهر السلمي مرهون بارادة  اداري واحد ، اي ان الدستور العراقي ترك ارادة الشعب - مصدر السلطات - مرهون بمزاج حزبي فاشل لا احد يعلم كيف وضع في منصبه . في حين حمى الدستور المصري حق الشعب في التعبير والاجتماع والتظاهر بطريقة لا يمكن ان يدخل منها ( باغ ) ليمنع الناس من  التعبير عن مطالبهم بالتظاهر او الاجتماع .
وكان من اهم اخطر اثار اغفال الدستور العراقي النص على هذه المسائلة ان قامت السلطة التنفيذية بتقييد الحق في الاجتماع والتظاهر السلمي بقرار من رئيس مجلس الوزراء ، فمنع اقامتها الا بأذن مسبق رغم انه لا يملك ذلك ، ثم جاءت باشد انواع القيود صرامة على حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي في مشروع القانون المشار اليه .
3-      ان الدستور العراقي جاء بصياغة توحي بان حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي انما هما منحة من الدولة بقوله في بداية النص ( تكفل الدولة ... ) في حين جاء الدستور المصري بصياغة اكثر وعيا لطبيعة الحقين المذكورين ولم تجعلهما كأنهم منحة من الدولة بل نص :- بأنها ( مكفولة ) . فلم يربطهما بالدولة ، لانهما حقين اصليين للانسان لا تتفضل الدولة بمنحهما ، بل هما اقدم واسمى واعلى منها .
4-      نص الدستور المصري بطريقة رائعة على الحق في الحصول على المعلومات في المادة ( 47 ) منه المذكورة اعلاه ، باعتباره حق متفرع عن الحق في حرية الرأي والتعبير ، في حين اغفل الدستور العراقي النص عليه ، مما جعله في مهب الريح ، ولا اظن ان طبقتنا السياسية الموقرة قد تعترف لنا به ابدا ، لانها عدوة الشفافية والمكاشفة ، ولا يجيد معظم رجالاتها الا الاعمال التي تؤدى في الظلام وخلف الاسوار العالية .
5-      الا ان الدستور المصري تضمن عيبا واحد - تجنبه الدستور العراقي - هو ان الدستور المصري منح الحق في الاجتماع والتظاهر السلمي والحق في الحصول على المعلومات ( للمواطنين ) فقط ، في حين ان الحق في الحصول على المعلومات والحق في الاجتماع والتظاهر السلمي حقين من حقوق الانسان الاصلية فلابد من كفالتهما لكل انسان على اقليم الدولة سواء اكان وطني ام اجنبي .
                                                                                                                  القاضي
                                                                                                           رحيم حسن العكيلي

                                                                                                           25 / 12 / 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق