الأحد، 29 أبريل 2012



تحليف الممثل القانوني اليمينامام المحاكم الجزائية


                                                                                                             
تصر بعض محاكم الجزاء ( تحقيق وجنايات وجنح ) على تحليف الممثل القانوني للوزارات ودوائر الدولة المختلفة اليمين قبل تدوين اقواله في كل الدعاوى الجزائية التي يحضر فيها امامها كوكيل عن دائرته . فهل يتوجب - فعلا – تحليف الممثل القانوني اليمين ، وهل من حق الممثل القانوني الامتناع عن حلف اليمين ؟ وما هو الاثر المترتب على امتناعه عن حلفها ؟ فهل يلاحق كما يلاحق الشاهد اذا ما امتنع عن حلف اليمين ؟ 
يحضر الممثل القانوني امام المحاكم الجزائية باعتباره وكيلا عن شخص معنوي عام ، فصفته في الدعاوى دائما هي انه ( وكيل ) عن ذلك الشخص المعنوي العام ، والاصل عدم جواز تحليف الوكيل يمين الشاهد ، ولو عد ما صدر عنه – بصفته تلك - اقرارات او ادعاءات او شهادات ضد الغير او لمصلحتهم .
ورغم ان صفة الموظف الحقوقي عن الشخص المعنوي العام تظل ( وكيلا ) في كل الحالات ، الا ان مركز الشخص المعنوي العام في تلك الدعاوى الجزائية قد يتغير ، فقد يكون مدع مدني ، وقد يكون مشتكي .
فتكون صفة الشخص المعنوي العام مشتكي اذا كان هو المجنى عليه فيها ، والمجنى عليه هو من تقع عليه الجريمة سواء وقعت على جسمه او ماله او سمعته او اعتباره ، كأن تختلس او تسرق اموال الوزارة ، فتكون الوزارة هي المشتكي في الدعوى الجزائية ، والاصل ان المشتكي يحلف اليمين حين تدوين اقواله ولو لم تكن له شهادة على الحادث ، تحوطا من احتمال التلفيق والكذب بشأن وجود الجريمة اصلا ، فقد يدعي شخص ما بأن داره سرقت الا انه لم يسرق اصلا .
الا ان تحليف المشتكي اليمين تنحصر في الاشخاص الطبيعية  والمعبرين عن ارادة الاشخاص المعنوية الخاصة ، دون الاشخاص المعنوية العامة ، اذ ان الشخص المعنوي العام – مثله مثل الشخص المعنوي الخاص - شخص افتراضي لا وجود له واقعيا – كشخص – فلا يمكن تحليفه اليمين ، ولا يصح تحليف المعبر عن ارادته ( اي عن ارادة الشخص المعنوي العام  ) كالوزير او مدير عام الشركة العامة او رئيس الهيئة اليمين ايضا ، لان المعبر عن ارادة الشخص المعنوي العام هو موظف عام ، ولا يحلف الموظف العام حين قيامه بواجبه كمعبر عن ارادة الشخص المعنوي العام يمين الشهادة .
وبما ان تحليف الشخص المعنوي العام متعذر عمليا ، ولا يصح تحليف المعبر عن ارادته ، فلا يحلف وكيله ( الموظف الحقوقي ) ايضا ، لانه ( اي الموظف الحقوقي / وكيل الشخص المعنوي العام ) - شأنه شأن اي ( وكيل لمشتكي ) سواء اكان شخص طبيعي او معنوي خاص – لا يحلف يمين الشاهد حين سماع اقواله  ، ولو تضمنت اقرارات او ادعاءات او شهادات ضد الغير او لمصلحتهم ،.
 والحقيقة ان وكيل الشخص المعنوي العام ( الموظف الحقوقي ) - كغيره من الوكلاء - حين تدوين اقواله امام المحكمة الجزائية ، انما يقوم بنقل ما زود به من معلومات وطلبات الى المحكمة ، فهو اقرب – في هذه النقطة - الى الرسول منه الى شئ اخر ، وقد لا يكون متيقنا مما زود به من معلومات فقد يذكر ( اي الممثل القانوني ) لقاضي التحقيق بان اموال دائرته اختلست الا انه ينقل عنها ما تدعيه ، وقد لا يكون متيقنا من ان اختلاسا قد وقع فعلا ، لذلك تكون الحكمة من وراء تحليف يمين الشهادة منعدمة في حالته ، فهذه انما يقصد منها التحوط ضد الكذب والتلفيق من خلال التأثير على ارادة الحالف عن طريق هذه اليمين ، وهذه لا تقوم في الموظف الحقوقي وكيل الشخص المعنوي العام لانه – غالبا – لا يعلم الحقيقة ، بل ينقل ما زودته به دائرته من معلومات .
لذا فلا اساس قانوني ولا مبرر عملي لتحليف ( الموظف الحقوقي / وكيل الشخص المعنوي العام ) اليمين امام المحاكم الجزائية ولو كانت تدون اقواله باعتباره وكيل عن ذلك الشخص المعنوي العام بصفته مشتكي .    
وكذلك الحال اذا ما كانت صفة الشخص المعنوي العام مدع بالحق المدني فقط ، حينما يلحقه ضرر مباشر من الجريمة ، دون ان تقع الجريمة عليه مباشرة ، كوزارة التربية في جريمة تزوير الشهادة الدراسية وتقديمها الى وزارة الصحة والتعيين فيها بالاستناد اليها ، او كمفوضية الانتخابات في جريمة شراء اصوات الناخبين ، او دائرة الموظف المرتشي في جريمة رشو او ارتشاء موظفها ، و كوزارة الداخلية في جريمة انتحال صفة ضابط فيها ، اوهيئة النزاهة  في جريمة انتحال صفة محقق عندها ، فهذه الجرائم لم تقع على اموال او سمعة او اعتبار الشخص المعنوي العام مباشرة ، الا ان ضررا قد يلحق به او بالمصلحة التي يحميها او يدافع عنها ، فيحق له التدخل في الدعوى بصفة مدع بالحق المدني ، والمدعي بالحق المدني في الدعوى الجزائية لا يختلف – في مركزه القانوني – عن المدعي امام المحاكم المدنية ، فهو مدع بحق ما ، ولابد ان يطالب بامر ما غير ايقاع العقوبة الجزائية ، فقد يطالب بالتعويض او رد المال او نشر معلومة او غيرها ، وهو يخضع – كمدع – لنفس القواعد التي يخضع لها المدعي امام المحاكم المدنية بالنسبة الى تحليفه يمين الشاهد حول ما يدعيه ، فلا يجوز اجبار المدعي على ان يحلف على صحة ما يدعيه ، الا طبقا لقواعد توجيه اليمين الحاسمة او اليمين المتممة او يمين الاستظهار او يمين الاستحقاق ، وهذه لا يجبر الخصم على ان يحلفها ، بل له ان ينكل عن حلفها ، بخلاف يمين الشاهد ذات الصفة الاجبارية .
وهذه قاعدة عامة في كل من يحمل صفة المدعي المدني سواء اكان شخص طبيعي او معنوي ، فلا يحلف المدعي المدني في الدعوى الجزائية يمين الشهادة مطلقا ، ولا يحلف وكيله قطعا ، وبالتالي لا يصح تحليف الموظف الحقوقي وكيل الشخص المعنوي العام اليمين حين تدوين اقواله بصفته وكيل عن المدعي بالحق المدني .
والنتيجة النهائية ان تحليف الموظفين الحقوقيين باعتبارهم وكلاء عن الاشخاص المعنوية العامة في الدعوى الجزائية سواء بصفتهم مشتكين او مدعين بالحق المدني لا اساس له من القانون ولا من الواقع ، ولا تقف خلفها حكمة معتبره ، ويصح للموظف الحقوقي الامتناع عن حلف اليمين ، ولا يصح ملاحقته عن امتناعه عن حلفها مطلقا .
اما اذا كان للموظف الحقوقي - وكيل الشخص المعنوي العام - شهادة عن الجريمة ،كأن يكون شاهد السارق وهو يكسر باب الدائرة او شاهده وهو يهرب باموالها ، او شاهد زميله وهو يخفي موجودات المخزن الذي بعهدته في اسفل سيارته لاختلاسها ، فيتوجب – في مثل هذه الحالة - التفريق بين صفته كشاهد وبين صفته كوكيل عن المشتكي او عن المدعي بالحق المدعي ، فتدون اقواله بصفته وكيل عن الشخص المعنوي العام - سواء اكان مشتكي او مدعي بالحق المدني - دون تحليفه اليمين ، ثم تدون اقواله بصفته الشخصية كشاهد ويحلف حينها يمين الشهادة ، ولكن ليس بصفته الممثل القانوني للدائرة بل بصفته شاهد عادي شأنه شأن اي شاهد اخر .      
                                                                                                                                 القاضي
          رحيم حسن العكيلي  


انعكاس تأثر القاضي
بالجريمة عاطفيا على الفصل فيها

                                                                                                                                   
ان الضمانة الاهم لحقوق الناس في مواجهة تحديات تحقيق العدالة لهم او ظلمهم بيد القضاء ، خصوصا في الميدان الجزائي ، انما يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ ( استقلال القاضي ) ، الذي هو الغاية المقصودة من استقلال ( السلطة القضائية ) ، وهو المنتهى لمبدأ ( استقلال القضاء ) بمجمله ، فلا تتحقق العدالة الا بقاض ترتفع عنه جميع المؤثرات والضغوط ، مهما كانت ، بضمنها ضغوط وتأثيرات رؤساءه وزملائه داخل السلطة القضائية نفسها ([1]).
الا ان التبحر في الحكمة من استقلال القاضي كفرد - حتى داخل السلطة القضائية نفسها - وتحري تطبيقاته وتحدياته ، يكشف انه امر في غاية التعقيد ، لانه يتداخل – من جهة اولى - مع كل ما يحيط بالقاضي من ظروف خارجية سواء اكانت اجتماعية او اقتصادية او امنية  او اعلامية  او قانونية  او ادارية  او اجرائية ... الخ ، فلابد من حماية استقلال القاضي اقتصاديا بتوفير مورد مالي كاف له ، وبيئة لحياته واسرته تؤمن تحصينه من الاختراق من تلك الجهة ، ولابد من حمايته امنيا لان حماية امن القاضي حمايىة للعدالة وليست حماية لشخص القاضي نفسه ، فيصعب ان يحكم القاضي - غير المحصن امنيا - باعدام ارهابي يتوقع ( القاضي ) ان يكون هدفا سهلا له او لجماعته الارهابية لاحقا ، كما يتوجب حماية استقلال القاضي من تأثير الاعلام والرأي العام عليه ، ليس بمنع الاعلام والرأي العام  من تناول المواضيع المطروحة على القضاء ولكن بايجاد ضمانات وادوات تمنع من تأثر القضاة بتوجهات الاعلام والرأي العام ، منها عدم مساءلة القاضي اذا ما اصدر حكمه بما لا يتفق مع توجهات الاعلام والرأي العام لان قراره انما يخضع لمراجعة طرق الطعن ولا تعقيب عليه ولا مسؤولية بعدها مطلقا ، كما يتوجب حمايته من التطاول عليه او المساس به باي شكل ، وغير ذلك من مقتضيات حماية استقلال القاضي من العوامل الخارجية 

 الا ان تأثر العدالة لدى القاضي  – من جهة ثانية - يختلط  - بقوة - بالعوامل الداخلية في القاضي نفسه ، اي تلك التي يحملها القاضي كانسان ، واهمها على الاطلاق هو العامل المرتبط بكفاءة القاضي ومقدار علميته وخبرته وظروفه النفسية ، بل حتى تدينه واصوله الفكرية ، التي قد تكون هي المدخل لظلم الناس وضياع حقوقهم ، وهذا لوحده موضوع متشعب معقد ، فنكتفي – هنا -  بتناول جانب واحد منه هو ( انعكاس تعاطف او تأثر القاضي مع ظروف الجريمة على الفصل فيها )، خصوصا انعكاسها على المتهم .

والمقصود من تأثر القاضي بظروف الجريمة هو تعاطفه او تشدده كانسان ضد الفعل المنسوب الى المتهم ، لانه يرى فيه جريمة بشعة او فعلا خارجا تماما حتى عن المألوف من الجرائم ، او بالعكس ، فقد يرى فيه انه فعل مقبول وتبرره الاعراف والتقاليد ، ولو كانت متعارضة مع القانون او الشرع او حقوق الانسان .
وهذا الموقف من القاضي لا يستند في حقيقته الى عوامل موضوعية او قانونية ، بل تحكمه تربية القاضي وظروفه النفسية ونظرته الاجتماعية الى السلوكيات وطبيعته وخلفياته الفكرية ، فقد يتأثر بعض القضاة تأثرا عاطفيا بالجرائم التي تحيط بها عوامل الشرف ، بالمفهوم الشرقي ،  كالتشدد ضد من يقتل زوج عشيقته بظروف معينة ، ليس لشئ في جريمته ذاتها ولكنه لانه عشيق الزوجة ([2]) تلك العلاقة التي يرفضها المجتمع ويتشدد ضدها ، او يتأثر بعضهم بجريمة اتهام الاخ باغتصاب اخته ، او اتهام الاب باغتصاب ابنته القاصرة ، او اتهام الخال بمواقعة ابنة اخته القاصرة ([3])، بل قد يتأثرون ببشاعة الجريمة او ضعف من وقعت عليه كجريمة قتل طفل اصم ابكم لانه فاجأ القاتل وهو  يواقع انثى .
وقد يتعاطف القاضي مع جريمة المتهم لانه - فكريا او اجتماعيا او عرفيا - فعل مقبول لديه ، بل لعله ( اي القاضي ) يعتقد بانه يرتكب فعل مماثل لو وضع في نفس ظروف  المتهم ، مثل جرائم غسل العار ، التي تقتل بها النساء لمجرد اتهامهن بعلاقة ما مع رجل لا تربطه بالمجنى عليها علاقة الزوجية ، بل قد تقتل لانها اغتصبت من احدهم بالاكراه ، وقد تقتل لانها تحدثت مع اخر في الهاتف ، بل قتل اخ اخته الشابة الطالبة في الاعداية في احد المحافظات الجنوبية  لانه رأى شابا يعاكسها في الشارع وقت رجوعها من المدرسة  .
كما قد يتعاطف القضاة  مع البنت التي تقتل ابيها الذي فض بكارتها ، او اغتصب اختها .
الا ان  تأثر القضاة ضد الجريمة او معها امر طبيعي ، فالقاضي انسان بالنهاية ، ولابد ان تكون له عواطفه ونظرته وموقفه الانساني مما يطلع عليه  ، او يفصل فيه من الجرائم ، لكنه غير مسموح له مطلقا ان يعكس تشدده او تعاطفه مع الفعل على وظيفته القضائية ، فيتوجب به ان يرتفع فوق مشاعره وفوق ميوله ، ليصل الى قدر من الموضوعية يمكنه من منع انعكاس تأثره بالجريمة وظروفها  على فصله بالدعوى .
الا ان ذلك امر مرتبط بقابلية القاضي المهنية في ان يكون موضوعيا ، والموضوعية مهارة لا يمكن اكتسابها الا بالتدريب الطويل ، وممن له موهبة القدرة على ان يكون موضوعيا ، فالموضوعية موهبة او  صفة  انسانية ،  قبل ان تكون مهارة مكتسبة ، لذا قيل بان القضاء فن ولا يصلح له الا من كان موهوبا ومتشبعا بروح الانصاف والعدالة .
لكن الحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها ، ان القضاة يعكسون – غالبا – تأثرهم بالجريمة وظروفها على الاحكام التي يصدرونها بشأنها ، ويتجلى هذا الانعكاس - الناتج من التأثر العاطفي - في جوانب كثيرة ، منها ما يتعلق بالاجراءات  سواء اثناء التحقيق او في المحاكمة، فقد يتشددون ضد المتهم بتوقيفه مثلا ولو طال به الامد ، او يتعاطفون معه فيطلقون سراحه بكفالة او بتعهده الشخصي بعد توقيف قصير او بلا توقيف ، وقد يتشددون ضده بتحري العيوب الشكلية البسيطة لمصلحته والتغاضي عن العيوب الشكلية ضده ، او بالعكس([4]).
الا ان اخطر انواع الانعكاسات تتعلق بامرين :-
الامر الاول :- انعكاس تأثر القاضي عاطفيا على النظرة الى ادلة الاثبات :- فقد يعكس القاضي تأثره بالجريمة عن طريق  التساهل في ادلة الاثبات المطلوبة ، فيميل في تقديرها الى الجهة التي مالت اليها عواطفه ، ويبتعد عن النظر اليها بطريقة موضوعية ، فيعتبر الجريمة ثابتة ضد المتهم رغم ضعف الادلة او عدم كفايتها ضده ، لانه يستنكر فعل المنسوب الى المتهم لبشاعته او لتأثره عاطفيا بظروف الضحية او ظروف ارتكاب الجريمة ، او لاي سبب اخر ، وينسى – تحت ذلك التأثر العاطفي – احتمال ان المتهم لم يرتكب تلك الجريمة .
وهذا هو اخطر انواع الانعكاس العاطفي للقضاة  على حقوق المتهمين ، وهو يؤدي بالقاضي الى تجاهل النظر الى كل العيوب الشكلية في الادلة ، بل قد يتجاهلونها بالكامل او يجدون المبررات لتصحيحها ضد مصلحة المتهم .
كما قد يؤدي – ايضا - الى المبالغة في تقدير قوة الدليل ، ليس لامور تتعلق بقوته في حد ذاته ، بل لانه ( اي القاضي ) متأثر ضد المتهم  ، وهو يلجأ الى ترجيح الادانة على البراءة او نفي ثبوت الفعل على المتهم ، ليس لان الادلة قوية وكافية بل لان الجريمة خطيرة او بشعة في نظره ، ويحتكم القاضي في ذلك الى عواطفه ، لا الى الميزان الموضوعي في تقدير الدليل ، ويعد الرأي القائل بكفاية شهادة المجنى عليه او عليها دليلا للادانة في جرائم الاغتصاب ([5])، واحدة من ابرز صور هذا النوع من الانعكاس  العاطفي ضد المتهم([6]).
وقد يتعاطف القاضي مع المتهم فيتشدد في طلب الدليل ضده ، الى حد الخروج عن المألوف في طلب الدليل ،وذلك قد يحمي مصالح المتهمين بطريقة اكثر مما يتيحها القانون ، ولكنه يشكل خطرا على حقوق المجنى عليه والمجتمع ، وهذا واقع فعلا ، اذ تتساهل بعض المحاكم في طلب ادلة اثبات الباعث الشريف في جرائم غسل العار ، بل لعل عد قتل النساء غسلا  للعار هو شكل من اشكال تأثر القضاة عاطفيا بالجرائم ، فلا تجيز الشريعة قتل المغتصبة ، ولا المتهمة بعلاقة مع رجل ، ولا المتهمة بالزنا ، ولا المتهمة بسوء السلوك ، ولا يجيز القانون ذلك ، الا ان القضاء اعتبر القتل غسلا للعار نوع من انواع القتل بباعث شريف ، متأثرا بالاعراف الاجتماعية والعشائرية البالية .
ان نظرة القاضي الى ادلة الاثبات لادانة المتهم يجب ان تتم بمعزل كامل عن نظرته او موقفه من الجريمة ومدى بشاعتها او خطورتها ، اي ان القاضي هنا يجب ان يتجرد نهائيا عن موقفه من الجريمة ، ولو كانت بشعة او خطيرة ، وكأنه يبحث في اثبات فعل عادي ،  وبخلافه فأن سيخطأ في تقدير الدليل ، ليس لقوة او عيب في الدليل ، ولكن لعدم موضوعية القاضي ، وعجزه على السمو في موقفه العاطفي او النفسي من الجريمة .
ولعل الخطوتين التاليتين هي الطريقة الاسلم التي يستطيع من خلالها القاضي فحص موضوعيته  في استخلاص صحة النتائج التي توصل اليها  في نظرته الى الادلة  :-
الخطوة الاولى :- ان يتحقق من توفر ادلة تسندها نصوص القانون واحكامه ، وتقوم فيها شروطها الشكلية والموضوعية ، ويكون الفحص هنا فحصا خارجيا قانونيا للادلة ، كأن تكون من الادلة التي اعتمدها القانون ، وان يتجمع منها ما يكفي وفقا لما يتطلبه القانون ، فأذا كانت الشهادة واحدة فهي لا تكفي للادانة مهما بلغ مستوى الموثقية بها مثلا ، وكذلك يكون الفحص بتقدير اثر العيب الشكلي في كل واحدة من الادلة المتوفرة ، فقد يؤدي العيب الشكلي الى ابطالها وطرح الاستدلال به ، او قد يرى القاضي فيه عيبا غير مؤثر في سلامة وصحة الدليل ، فيتوجب الفصل – مثلا - فيما اذا كان اعتراف المتهم امام القائم بالتحقيق - الذي قبض عليه بلا قرار قضائي - صحيح ام باطل ، وهل ان اعترافه المأخود منه تحت تأثير ( التهديد اوالضرب اليسيراو المبرح او الاغواء او الوعد او الوعيد )  باطل ام صحيح ، وهل يعد ضبط شئ ممنوع حيازته - بناء على  تفتيش غير اصولي - دليل ضد المتهم ام لا  ، وهذا النوع من الفحص يجب ان يكون فحصا قانونيا محضا ، ليس له علاقة بضمير القاضي وقناعته الوجدانية مطلقا .
الخطوة الثانية :- يقوم بها القاضي حينما تتوفر لديه القناعة بان الادلة تكفي لادانة المتهم ، بان يتحقق ( اي القاضي ) من ان قناعته الوجدانية بتوفر الدليل الكافي لادانة المتهم قد جاءت على اسس موضوعية ، غير متأثرة بموقفه النفسي او العاطفي من الجريمة عن طريق توجيه السؤال الاتي _ خصوصا في الجرائم ذات العقوبات القاسية او الكبيرة كالاعدام او السجن مدى الحياة او السجن المؤبد -  :- ( هل هناك احتمال بان المتهم لم يفعلها ؟ ) .
فأذا كانت الاجابة ( نعم ) فذلك يعني بان الادلة غير جازمة ، ولا توفر القناعة اليقينية ، ولا تكفي – بالتالي - لنسبة الفعل الى المتهم ، ولابد من مراجعتها مجددا - ما دامت قد تسرب اليها الشك باحتمال ان المتهم لم يرتكب الجريمة - بطريقة تلاحظ ترجيح قاعدة :- ( الشك يفسر لمصلحة المتهم ) وقاعدة ( واذا تسرب الشك الى الدليل الجزائي افسده )، وان الادانة بجريمة لابد ان تقوم على القطع واليقين لا على الشك والتخمين ، ولا حتى على الترجيح ، فقد ترحج المحكمة ادلة الادانة- خصوصا المستندة منها الى الاعتراف – وتقضي بسلب حياة انسان ، يحتمل بانه لم يرتكب الجريمة ، وهو خطأ كارثي غير مقبول نهائيا ، اذ يقبل الخطأ في العفو  ولا يقبل الخطأ في العقوبة  ، وان افلات الف مجرم خير من ادانة برئ واحد .
فسؤال القاضي نفسه ( فيما اذا كان هناك احتمال يرجح ان المتهم لم يرتكب الجريمة ) وجوابه عليه ، يعيد الى القاضي بعض توازنه الموضوعي ، فيما اذا كان قد فقده لتأثره العاطفي بالجريمة ، لانه انما يذهب الى التشدد لامتعاضه من نوع الفعل ، وليس لان المتهم ارتكبه ، ولكنه ينعكس لديه – نفسيا - على المتهم لانه الوحيد الذي تتجسد فيه الجريمة من اطراف الدعوى الماثلين امام القاضي ، فليس للجريمة من كيان او ممثل لينصب السخط عليه ، سوى المتهم الذي نسب اليه ارتكابها ، اي ان  تأثر القاضي من الجريمة وتشدده ضدها ، ينتقل او ينقلب الى تأثر ضد المتهم وتشدد ضده ، وبالتالي العمل ضد مصالحه ، لان القاضي يرى في المتهم – عاطفيا – ممثلا للجريمة المستنكرة شعوريا لديه ، ولا يفك الربط بين الجريمة والمتهم - لدى القاضي المتأثر عاطفيا - الا بذلك السؤال ، فحينما يجيب القاضي بان هناك احتمال لعدم ارتكاب المتهم للجريمة - وهو احتمال قائم دائما ولكن بنسب مختلفة - فأنه حينذاك ، سيفصل بين الجريمة والمتهم حينما يظهر لديه احتمال ان المتهم منقطع الصلة بالجريمة ، وان تأثره العاطفي لا يتوجب ان يتوجه ضد المتهم ، بل ضد الفاعل الاصلي الذي قد يكون شخص اخر غير المتهم .
فيعيد ذلك بعض توازن القاضي العاطفي ، وحينما يعيد النظر الى الادلة ، فأنه قد يفحصها بطريقة مختلفة ، تقوم فيها الاسس الموضوعية بنسبة اكبر .
الامر الثاني :- انعكاس تأثر القاضي عاطفيا على فرض العقوبة :- هناك عوامل كثيرة- خارج اطار القانون - يتأثر بها القضاة ، فتدفعهم اما الى التشدد و فرض عقوبة شديدة او التساهل في تخفيف العقوبة ([7])، من بينها التأثر العاطفي بالجريمة وظروفها ، فرغم ان الاصل وجوب التجرد في تحديد العقوبة التي يتوجب ان توقعها المحكمة بالمتهم وفقا للقانون ونظرة القانون للجريمة وخطورة المجرم ، الا ان القاضي كانسان قد تدفعه عاطفته الى انزال عقوبة غير مناسبة على فعل يحدد له القانون عقوبة اكبر او اقل .
فأذا استهجن ذوق القاضي الجريمة او اثارت عاطفته كأن يجد فيها جريمة بشعة - ولو لسبب شخصي مر في حياته هو  - فأنه قد يسعى الى فرض اقسى العقوبات - ليس بطريقة مطابقة للقانون ، فهذا لا غبار عليه ولو وقع تحت تأثير العاطفة  - بل يسعى القاضي الى ذلك بلي القانون او تطبيقه تطبيقا خاطئا او مبالغ به ، مثل ان ينحرف في تكييف فعل المتهم  ، كأن يكون فعل المتهم جريمة وفق المادة ( 405 ) من قانون العقوبات التي تعاقب بالسجن المؤبد ، فيسعى الى حشر اي ظرف مشدد منصوص عليه في المادة ( 406 ) من القانون المذكور من اجل الوصول الى الحكم على المتهم بالاعدام ([8])، او يمتنع عن استعمال الظروف القضائية المخففة رغم قيامها في المتهم او ظروف الجريمة ، او يستعلمها مع متهم يتأثر معه ويمتنع عن استعمالها مع متهم يتشدد ضده رغم تطابق الظرف لديهما ، كأن يكون كليهما شابين في مقتبل العمر .
اما اذا تعاطف القاضي مع الجريمة ، فأنه سيسعى الى تخفيف العقوبة عن المتهم ، ليس لان القانون يأمر بذلك ([9])، ولكن القاضي يؤثر حرف تطبيق القانون لمصلحة المتهم بتخفيف العقوبة عنه لانه متعاطف مع فعله ، مثلما حصل في اعتبار غسل العار باعثا شريفا ، اذ عدت المحاكم منذ امد بعيد ارتكاب الجريمة - ولو كانت قتل انسان - غسلا للعار جريمة مرتكبة بباعث شريف ، رغم ان ذلك مخالف لاحكام الشريعة الاسلامية ولاحكام القانون ، الا انه يتوافق مع التقاليد والاعراف العشائرية والاجتماعية البالية ، وهذا جعل المحاكم تنزل بعقوبة القتل غسلا للعار من الاعدام او السجن المؤبد الى الحبس لسنة واحدة او ستة اشهر وقد يكون مع وقف التنفيذ  استعمالا للمادتين 128 و130 من قانون العقوبات ([10]). ولم يكن تعاطف المحاكم مع هذا النوع من الجرائم واقفا عند تخفيف العقاب ، بل انه ذهب الى استخدام سلطة وقف التنفيذ ، والى التساهل في اثبات كون القتل وقع غسلا للعار ، بقبول ادلة بسيطة على سوء سلوك المجنى عليها او علاقتها باخر وغيرها مما يعد شرفا عرفيا ، رغم ان معظم تلك الادلة غالبا ما تكون اقوال لشهود مبنية على السماع والشك والاستنتاج ، كأن يشهد الشاهد بان المجنى عليها سيئة السلوك او تمارس البغاء وهذه استنتاجات وليست شهادة الا ان المحاكم قبلتها تعاطفا مع مجرمي غسل العار ، رغم ان هذا النوع من الجرائم قد اسيئ استخدامه لافلات مجرمين ارتكبوا جرائم قتل النساء لاسباب لا علاقة لها بالشرف .  
وعموما ، ورغم كل ما سقناه انفا ، لابد من القول بان الوصول الى سمو القاضي فوق ميوله وعواطفه امر غير ممكن مطلقا ، كما ان الوصول الى درجات عليا من التمسك بالموضوعية وتجنب الميول والعواطف عند فصل القضاة بالجرائم التي تعرض عليهم امر غاية في الصعوبة ، لانها مهارة لا يكتسبها القاضي بالدراسة والبحث ، بل هي فطرة صحيحة وموهبة متأصلة تحتاج الى صقل وتهذيب وتطوير بالتدريب المستمر ، لذلك فأننا نصر بان القضاء مهنة للموهبين فقط ، ولا يصلح لها كل من درس القانون ولو اصبح عالما فيه ، لانها ( اي مهنة القضاء ) تتطلب  مواهب بعينها ، لا يمكن ان تتوفر في كل من درس القانون او كل من اضحى عالما به .


                                                                                                     القاضي
                                                                                             رحيم حسن العكيلي    
                                                                                                 اذار / 2012


[1] - جاء الدستور العراقي الدائم لعام 2005 بنصين عالج في احدهما استقلال ( السلطة القضائية ) هو نص المادة ( 87 ) :- ( السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم ... ) وتعرض في الثاني ( لاستقلال القاضي ) في المادة ( 88 ) بقولها :- ( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة . ) .
[2] كانت الزوجة تلتقي بعشيقها في الحديقة الملحقة بالدار عن طريق باب جانبي حينما كان الزوج ذاهبا بعد الغروب لشراء ادوية ، وحينما عاد عادت الزوجة الى الدار ، ولانه لديه شكوك بعلاقة لها مع اخر ، فقد دخل الحديقة يفتش فيها في الظلام ، فوجد العشيق باحد زويا الحديقة فامسك بيده ، فاخرج العشيق مسدسه واطلق عليه طلقة واحدة اصابته في رأسه ، فمات ، فحكم على العشيق القاتل بالاعدام وفق المادة ( 406 / أ وج و ح ) من قانون العقوبات وفقا للاراء التي  قالت باستحقاقه لعقوبة الاعدام وفقا للمادة المذكورة اما باضافة ظرف ( سبق الاصرار الى جريمته ) او ( الدافع الدنئ ) او ظرف ( ارتكاب القتل للفرار على اثر جريمة او للتخلص من العقاب )  ، رغم اننا لا نجد اي ظرف مشدد في جريمته ، وان فعله ينطبق واحكام المادة ( 405 ) من قانون العقوبات التي تعاقب بالسجن المؤبد ، لعدم وجود سبق اصرار مطلقا ، ولان مجرد اللقاء بين عشيقين ولو كانت المرأة متزوجة لايعد جريمة ، وان دخوله الحديقة الملحقة بالدار كان بأذن صاحبة الدار وهي الوحيدة التي كانت موجودة فيها ، ولان الدافع على القتل لم يكن دنيئا ، لان انما قتل الرجل دفاعا عن سمعته وسمعة عشيقته وعدم افتضاح امر علاقتهما ، وهو في حد ذاته - وبعيدا عن النظر الى جريمة القتل - لايعد دافعا دنيئا .  
[3] حكم على متهم بالسجن مدى الحياة عن جريمة اللواط بأبنة اخته رغم ان الدليل الوحيد هو اعترافه الذي رجع عنه في المحاكمة و الذي لا يتفق مع التقرير الطبي الذي اكد عدم وجود علامات اللواط لا الحديث ولا القديم لدى الطفلة ، ورغم ان ظروف الجريمة وظروف القاء القبض على المتهم كانت تدل على انه اكره على الاعتراف ، لان الفتاة خرجت الى نقطة التفتيش القربية من دار المتهم عارية ، والقي القبض على المتهم بعدها بساعات حينما وجد نائما في احد غرف داره وهو مخمور ، والحقيقة ان الثابت هو خلع ملابس الطفلة فقط وليس مواقعتها . الا انه حكم عن جريمة الاغتصاب اخذا باعترافه المشكوك حتما به .
[4]  قد تقع مثل تلك الممارسات لاسباب اخرى كثيرة غير التأثر العاطفي للقضاة بالجريمة او ظروفها ، لكننا نقتصر عنها على البحث في هذه النقطة فقط .
[5]  ان اعتبار افادة المجنى عليها كافية للادنة في جرائم اللواط والاغتصاب هو مبدأ فرعوني معروف ذكره القرآن الكريم في قصة النبي يوسف ( ع ) اذ انه اودع في السجن بافادة زوجة العزيز لوحدها ، وهو يتعارض قطعا مع نظرة الشريعة الاسلامية في التشدد الكبير في اثبات مثل تلك الواقعة الخطيرة ، التي تتطلب في اثبات الزنا اربعة شهود بشرط ان يشهدوا بانهم جميعا شاهدوا الادخال كالميل في المكحلة ، وهو اقرب للمستحيل من الناحية العملية .
[6] حكم على شاب بالسجن مدى الحياة عن اتهامه بملاوطة انثى في السابعة عشرة من عمرها في دارها في حوالي الساعة العاشرة صباحا رغم انكاره ، وعدم وجود ولو شاهد واحد على دخوله دارها او خروجه منه او ايقاف سيارته في باب دار اهلها سوى افادتها الوحيدة والتقرير الطبي الذي يقول بوجود اثر في شرجها يمكن ان يكون محدث بقضيب منتصب ، رغم تقاطع افادة المجنى عليها مع الادلة المادية المتوفرة في القضية  ، اذ انها ادعت بانه قذف على ظهرها وملابسها ، واظهر الفحص الطبي عدم وجود اي اثار للمني لا على ملابسها ولا جسدها ، كما يستحيل عقلا ان يصدق ان شاب واحدا قادرا على امساك فتاة شابة لوحده وخلع ملابسها ثم خلع ملابسه وادخال قضيبه وهو ممسك بهاتف نقال يصوره بها وفق ما ادعت المجنى عليها ، كما ان والدها شهد بان ابنته لم تدع مواقعتها بل خلع ملابسها فقط وصورها ، وشهدت والدتها بعد ثلاثة اشهر من الحادث بان ابنتها لم تخبرها بانه واقعها بل حاول ذلك فقط ، فالمتهم ادين على شهادة المجنى عليها لوحدها ، لان الاثر في شرج المجنى عليها وفق التقرير الطبي لا يربطه بالمتهم اي شئ ، وهو يمكن ان يكون قد احدث بالة ما قبل الحادث او حتى بعده لا المجنى عليها فحصت في اليوم التالي للحادث ، فرغم ان افادة المجنى عليها تعطي شكا بان المتهم ارتكب الفعل ، لكنها لا تعطي يقينا بانه ارتكبه ، فلا يجوز ادانته بهذه الجريمة التي تصل عقوبتها الى السجن مدى الحياة - وهي العقوبة المعادلة للاعدام شنقا حتى الموت - بل هي في نظر البعض اقسى منها .
[7] سألت عام 2010 طلابي في المعهد القضائي ماذا يحكمون على بنت قتلت ابيها بعد ان واقعها ، قالوا بالحبس سنة مع وقف التنفيذ ، فسألتهم وماذا تحكمون على اخوين  لاحقوا اختهم الفارة منهم فقتلوها فقالوا بالحبس سنة مع وقف التنفيذ ، فسالتهم عن طبيب شاب عمره ( 30 ) عاما يواقع طفل عمره سبع سنوات في دار الايتام التي يعمل بها ، فقالوا نحكم عليه بالاعدام شنقا ، فسالتهم هل راجعتم النصوص هل كيفتم الافعال ، هل وجدتم ان ظروف التخفيف او التشديد متوفرة او غير متوفرة طبقا لنصوص القانون ، فأجابوا بالنفي ، انما حكمنا على تأثرنا بالجرائم وظروفها بغض النظر عما تقول به القوانين .  
[8] اعترف المتهم بانه قتل الطفل ( الاصم الابكم ) بطعنه بواسطة قضيب حديدي ( شيش ) وجد في الهيكل الفارغ الذي كان يواقع عشيقته الارملة فيه ، بعدما دخل عليهما وهما يمارسان الجنس فجأة ، وانكرت العشيقة ذلك ، فحكم بالافراج عنها لعدم كفاية الادلة ، ورجع المتهم عن اعترافه امام محكمة الجنايات ، الا انه حكم بالاعدام شنقا حتى الموت ، وفق المادة ( 406 ) واختلف من قالوا بتكييف الفعل على هذه المادة على الظرف المشدد ، فذهب رأي الى انه طرقا وحشية في القتل وفق الفقرة ( 1 / ج ) من المادة ( 406 ) من قانون العقوبات ، ولا شك ان ذلك غير مقبول لان القتل وقع بقضيب وجده المتهم في محل الحادث وهي الاداة الوحيدة التي توفرت لديه ، ولابد للقتل من ان يقع بطريقة ما ، والا لما كان قتلا ، اما الرأي الثاني فذهب الى انه قتل للفرار من الجريمة او التخلص من العقاب وفقا للفقرة ( 1 / ح ) من المادة المذكورة وهو ايضا غير وارد لان المتهم وعشيقته الارملة كانا يمارسان الجنس بالرضا ولا جريمة في ذلك ، وكون الطفل المقتول اصم ابكم ينفي احتمال قصد المتهمين من قتله التخلص من العقاب ولو كان فعلهما جريمة على فرض انهما كانا يعلمان بأنه اصم ابكم وهو مستبعد في ضوء ظروف الجريمة . لذلك فأن فعله ينطبق واحكام المادة ( 405 ) من قانون العقوبات وكان يتوجب الحكم عليه بالسجن المؤبد فقط وليس الاعدام .
[9] لا اعتراض على تخيف العقوبة وفقا لما ينص عليه القانون ولو في جريمة تتطلب فعليا عقوبة اشد بكثير من الناحية العملية ، مثلما يحصل في تطبيق المادة ( 409 ) من قانون العقوبات التي تنزل بعقوبة القتل ( ولو كان قتل شخصين ) الى الحبس لمدة ثلاث سنوات فقط ، لان القاضي هناك انما ينطبق القانون النافذ ولو كان غير ملائم ، انما الاشكال – هنا – يقع على السلطة التشريعية التي تبقي عقوبة جريمة كهذه بمستوى لا يتلائم مع خطورتها.  
[10] نصت المادة (128 ) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 :- ( ... يعتبر عذرا مخففا ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة او بناء على استفزاز خطير من المجنى عليه بغير حق ) فعدت المحاكم العراقية غسل العار باعثا شريفا لارتكاب الجريمة ، وخففت العقوبة طبقا للمادة ( 130 ) من قانون العقوبات التي تنص : ( اذا توفر عذر مخفف في جناية عقوبتها الاعدام نزلت العقوبة الى السجن المؤبد او المؤقت او الى الحبس الذي لا تقل مدته عن سنة ، فأن كانت عقوبتها السجن المؤبد او المؤقت نزلت الى عقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن ستة اشهر ... ) .

الأحد، 1 أبريل 2012

شركات متنفذة
بقلم القاضي رحيم حسن العكيلي



يقف وراء الفشل في تقديم الخدمات ، وعدم ظهور اثار ملموسة للاموال الكبيرة التي ترصد للمشاريع والاعمار في العراق في السنوات الماضية اسباب كثيرة ، منها الوضع الامني والفساد وعدم نمو قدرات القطاع الخاص العراقي بما يكفي لتنفيذ مشاريع كبرى ، وعزوف الشركات الكبرى والمستثمر الاجنبي عن الدخول الى العراق ، وضعف قدرات القطاع العام في ادارة مشاريعه وتنفيذها بطريقة ملائمة ، وغيرها . الا ان الفساد يظهر كأنه السبب والتحدي الاكبر وراء كل ذلك ، وقد اختفت خلفه كل الاسباب والتحديات الاخرى ، حتى اضحى يبدو كأنه السبب الاوحد لدى الناس ، بسبب كثرة التركيز عليه دون الاسباب والتحديات الاخرى .
الا انه ( اي الفساد ) يظل سبب مهم ومؤثر ، وله صور ومظاهر خطيرة ، لعل اهمها ، وقوف متنفذين ( سياسيين او غير سياسيين ) خلف الشركات التي تتنافس على العقود والمشاريع ، وهي في هذا ثلاثة اصناف :-
الاول :- ان تكون الشركات عائدة لمتنفذين ومسجلة علنا بأسمائهم او اسماء ازواجهم او اقاربهم ، او هم مدرائها المفوضون .
الثاني :- ان تكون تلك الشركات عائدة لهؤلاء المتنفذين في الحقيقية ، الا انها مسجلة باسماء اشخاص اخرين واجهيين ، يعملون فيها لمصلحة المتنفذين ، وليس لهم سوى ادارتها لمصلحة اولئك المتنفذين .
الثالث :- ان لا تكون للمتنفذين ملكية في تلك الشركات ، لكنهم يدعمونها في مقابل عمولات ورشاوى يتعاطونها منها .
وهذا رتب مظاهر خطيرة للفساد في المشاريع والعقود العامة ، اهمها ما يأتي :-
1- ان تحال العقود او المشاريع على تلك الشركات باضعاف قيمتها الحقيقية ، فاما ان يبالغ في تقدير كلفها التخمينية ، او ان تحال بلا تقدير كلف تخمينية ، فقد يحال عقد تقدر كلفته التخمينية بـ ( 137 ) مليار دينار ، بمبلغ ( 277 ) مليار دينار .
2- احالة العقود على تلك الشركات بطرق لا تؤمن الحد المقبول من المنافسة ، اما بطريق الدعوة المباشر او العطاء الواحد ، او بطرق ملتوية كثيرة ، تتحايل على القوانين وتخرقها ، منها طريق اظهار القطاع العام في الواجهة وكأن العقود او المشاريع محالة بعهدة شركات القطاع العام ، ولكنها في الحقيقية تحال من خلفها الى شركات خاصة مسنودة من احزاب او جهات متنفذة معينة .
3- ان تستلم المشاريع على اساس انها نفذت بطريقة سليمة ، رغم ان الشركات نفذتها بطريقة لا تتطابق مع معايير الجودة ، او غير مطابقة للمواصفات المتفق عليها . وتكون النتيجة فشل تلك المشاريع او عدم تحقيقيها للغاية منها .
4- استلام سلف كبيرة او مبالغ مقدمة ، لا تتلائم مع مقدار التنفيذ الفعلي ، وترك المشروع بلا تنفيذ ، ودون اي تقدم على ارض الواقع ، في حين تستغل الشركة او المقاول السلف او المبالغ التي استلمها من اموال الدولة ، في التجارة او في المصارف وغيرها.
5- عدم اتخاذ اي اجراءات قانونية حقيقية ضد تلك الشركات او المقاولين المتلكئين او المتأخرين في تنفيذ المشاريع ، والاكتفاء بتجديد المدد لها والاعفاء من الغرامات التأخيرية ، دون مسوغات قانونية حقيقية .
وهذا قد يفسر العدد الكبير من الشركات العراقية التي سجلت لدى مسجل الشركات بعد عام 2003 ، فقد بلغ عدد الشركات العراقية المسجلة عام 2003 ( 8374 ) شركة فقط ، في حين بلغت في 31 / 12 / 2010 ( 49239 ) شركة عراقية اي بزيادة فاقت خمسة اضعاف عدد الشركات المسجلة لغاية نهاية عام 2003، وهذا ينطبق على مكاتب وفروع الشركات الاجنبية التي كانت ( 194 ) مكتب وفرع في عام 2003 فقط ، الا انها اصبحت في نهاية عام 2010 ( 807 ) مكتب وفرع شركة اجنبية .
ان القسم الاكبر من الفساد الكبير في العراق اليوم هو الابن الشرعي للجمع بين صفات ( السياسي والتنفيذي والمقاول ) لدى ثلة من الطبقة السياسية في الحكومة وخارج الحكومة وفي المحافظات و مجالس المحافظات ، وهو اخطر صور تعارض المصالح ، التي تقف القوانين والانظمة الادارية المعمول بها حاليا عاجزة عن معالجته ، وايقاف هدره للمال العام ، واستنزاف موارد الدولة ، وتعطيل خططها ومشاريعها .

القاضي رحيم حسن العكيلي

        29 / 4 / 2011