الجمعة، 17 أغسطس 2012


تجريم ارتشاء ابو الكباب
                                                                                 القاضي
                                                                               رحيم حسن العكيلي
وضعنا عام 2010 مشروع قانون لمكافحة الفساد يستجيب لبعض متطلبات اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها العراق عام 2007 ومن بين نصوصها نصا يجرم الرشوة في القطاع الخاص ، وحينما عرض على مجلس الوزراء - لاقراره كمشروع قانون لعرضه على مجلس النواب - شكل لجنة لدراسته واعادة النظر فيه ، فاعترض احد القانونيين في اللجنة  مستهزءا ( وما علاقتنا برشوة ابو الكباب ، وما شأننا في الفساد في القطاع الخاص ) ، و وافقه الاخرون بشدة ، فعلمت حين ذاك مستوى علم من اتعامل معهم  .
وحدثتهم انه حصل ان تبرعت احد المنظمات الدولية بكراسي متحركة للمعوقين وسلمتها الى منظمة مجتمع مدني عراقية لتوزيعها على المستحقين مجانا ، فاستغل بعض العاملين في منظمة المجتمع المدني العراقية الامر ، فاشتراطوا على المعوق دفع خمسين الف دينار لادخال اسمه ضمن المستحقين .
ومن وجهة نظر قانونية فأن فعل هؤلاء فعل مباح غير مجرم في التشريع العراقي اذ لا وجود لجريمة الرشوة في القطاع الخاص .
واستعانت وزارة التخطيط بشركة خاصة لاجراء فحوصات التقيسس والسيطرة النوعية على البضائع الداخلة للعراق ، فلو اخذ الموظف رشوة في مقابل امرار البضاعة الداخلة بلا فحص او خلافا للتعليمات فيعد فعله مباحا لا اشكال فيه .
وكانت النية في الاستعانة بشركة خاصة في مواضيع اجازات تسجيل السيارات ( السنويات ) وارقام المركبات ، ولو تعاطي موظف تلك الشركة رشاوى لامرار او تسهيل بعض المعاملات فلا يحق لاحد ملاحقته عن جريمة الرشوة لانه لا يحمل صفة الموظف ولا المكلف بخدمة عامة ، وانما تنحصر جريمة الرشوة في القانون العراقي بالموظفين والمكلفين بخدمة عامة .
وحدثت ( ابو الكباب ورفاقه ) بان قوانين اجنبية وعربية تجرم بعض مظاهر الرشوة في القطاع الخاص بنصوص خاصة ، قبل ان تدعو اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد الى تجريمها وبطريقة اوسع بكثير مما تتطلبه الاتفاقية  ، اذ نصت المادة ( 106 ) من قانون العقوبات المصري – المنقولة عن الفقرة الخامسة من المادة ( 177 ) من قانون العقوبات الفرنسي – على ما يلي :- ( كل مستخدم طلب لنفسه او لغيره او اخذ وعودا او عطية بغير علم مخدومه ورضائه لاداء عمل من الاعمال المكلف بها او للامتناع عنه ، يعتبر مرتشيا ويعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة مالية لا تقل عن مائتي جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه ) .
فهذه المادة تعاقب المستخدمين المرتشين ، ولم يستلزم النص صفة خاصة في المستخدم  فيصح ان يكون مستخدما في شركة تجارية او صناعية او زراعية او محل تجاري وما شابه ([1]) ، وهو نص تجاوز ما تريده الاتفاقية التي اكتفت بالدعوة الى تجريم الرشوة في كيانات القطاع الخاص كالشركات والبنوك ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والنوادي ...الخ .
وتشترط المادة ( 177 ) من القانون الفرنسي في تجريم ارتشاء المستخدم ان يكون من العاملين باجر ، وان كان لا يهم وسيلة دفعه سواء نقدا او عينا او نصيبا من الارباح ، ولا مواقيت الدفع كأن يكون يوميا او شهريا او اسبوعيا او سنويا . ولا يشترط وجود عقد عمل بل يكفي مجرد التكليف باجر ، كما لا يشترط دائمية العلاقة بالعمل .
وعاقبت المادة ( 22 ) من قانون العقوبات المصري ( الاطباء والجراحين ومن في حكمهم ) ممن يعملون في مهنة حرة اذا طلبوا لانفسهم او لغيرهم او اخذوا وعودا او عطايا لاعطاء شهادات او بيانات مزورة بشأن حمل او مرض او عاهة او وفاة ... باعتبارهم مرتشين  ، وتلك الجريمة هي جريمة مختلفة عن جريمة تزوير تلك الشهادات او البيانات الطبية ، فلو ضبط الطبيب - الذي يعمل لمصلحته في عيادته - وهو يطلب مبلغا لاعطاء تقرير طبي على خلاف الحقيقية فأنه يعد مرتكبا لجريمة الرشوة  ، ولو كان لا ينوي اعداد الشهادة المطلوبة ، وهذا شكل من اشكال الرشوة في القطاع الخاص ، يتضمن محتو اوسع بكثير مما تتطلبه الاتفاقية .
وعدت المادة ( 298 ) من قانون العقوبات المصري  الشاهد الذي يقبل عطية او وعدا بشئ ما لاداء شهادة الزور مرتشيا وفرضت عليه العقوبة الاشد من عقوبتي الرشوة او شهادة الزور  ، وهذه صورة اخرى للرشوة في القطاع الخاص وتقع الجريمة بها كاملة ولو لم يشهد الشاهد  زورا . وهي ايضا تتضمن توسعا عما دعت الاتفاقية الى تجريمة من مظاهر الرشوة في القطاع الخاص .
أن عدم الانصاف والظلم واضح في الكثير من الممارسات التي تعد من صور الرشوة في القطاع الخاص مثل تجاوز الدور في عيادات الاطباء في مقابل رشاوى تدفع للواقفين بابوابهم على حساب معاناة اخرين من المرضى ممن يعجزون عن دفع مبالغ مماثلة وهو تصرف مرفوض اجتماعيا واخلاقيا ولابد من مواجهته .لكن فقهائنا من وعاظ السلاطين في العراق لم يمر ببالهم من مظاهر الرشوة في القطاع الخاص سوى ( ارتشاء ابو الكباب ) لذا رفضوا بشدة امرار النص ، رغم انني حدثتهم بكل ما ذكرته هنا .
فاكتشفت حينها اننا في العراق لا نعاني من انعدام الارادة السياسية لمكافحة الفساد فحسب ، بل نعاني ايضا من انعدام الارادة الفنية لصياغة الاطر القانونية الملائمة بسبب تدني المستوى العلمي  لبعض اشباه القانونيين الذي يتحكمون بالبلاد والعباد ، بل ويتلاعبون بقادة البلاد ايضا  .
ان مكافحة الفساد في القطاع الخاص لا تقل اهمية عن مكافحة الفساد في القطاع العام ان لم تكن اهم منها ، بل ان معظم الفساد في القطاع العام انما يتسرب اليه من ممارسات القطاع الخاص ، وانما يشترك الفاسدون في القطاعين غالبا لامرار سرقاتهم وتقاسم الغنائم ، لذا فأن الاتفاقية تركز على معالجات الفساد في القطاع الخاص طريقة مماثلة لتعرضها لمعالجة الفساد في القطاع العام .
وعموما فأن القصد من تجريم الرشوة في القطاع الخاص - وفقا لما تنص عليه الاتفاقية - هو حماية كيانات القطاع الخاص نفسها من الافعال غير المشروعة للعاملين فيها ، وحماية المتعاملين مع تلك الكيانات - كالشركات والمصارف ومنظمات المجتمع المدني - التي قد تتولى القيام بمهام عامة ذات مساس مباشر بالناس وحقوقهم  .
فهل سنجرم ( الرشوة في القطاع الخاص ) ام ان نظرية ( ابو الكباب ) هي الراجحة .

                                                                                                          القاضي
                                                                                                  رحيم حسن العكيلي
                                                                                                      اب / 2012
.


[1] - د . كامل السعيد – شرح قانون العقوبات – الجرائم المضرة بالمصلحة العامة – دراسة تحليلية مقارنة – ط1 – الاصدار الاول – 2008 – دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان – وسط البلد – ص432 و433 

دفع الاخر للانتحار
جريمة لا يعاقب عليها القانون العراقي الاتحادي
                                                                                               القاضي
                                                                                                     رحيم حسن العكيلي
وجد شاب - يعمل في تشغيل مولدة كهربائية - مقتولا قربها ومسدس في يده ، وثبت من خلال الفحصوصات الطبية على جثته وفحوصات المسدس بانه انتحر بمسدسه باطلاق طلقة واحدة في رأسه  ، وثبت من التحقيقات بان زوجته كانت على علاقة غير مشروعة مع رجل اخر ، وزوجها المنتحر يعلم بذلك ، وعند تفريغ محتويات هاتف الزوج وجدت رسائل ( sms ) من هاتف عشيق زوجته يعلمه فيه بانه يزني بزوجته ويصف له افعال الزنا والعلامات في جسدها كوجود شامة في مكان ما وغيرها ، فأدانت المحكمة عشيق الزوجة عن ( جريمة الضرب المفضي للموت ) وفق المادة ( 410 ) من قانون العقوبات.
وفي حادثة اخر اغتصب شاب زوجة اخيه في دارها ، فسكبت - حال انتهاءه من اغتصابها - النفط على نفسها واشعلت فيها النار فتوفيت متأثرة بالحروق الشديد التي اصابتها .
وحدثني احد الاخوة العاملين في الامم المتحدة بان السطات المعينة في بعض الدول الغربية درست بعض حالات انتحار المراهقين في المدارس ، فوجدت بانها كانت بسبب ضغوطات وتصرفات يمارسها زملائهم ضدهم مما يدفعهم الى الانتحار ، كأن يتعمد زملاء المدرسة ضرب زميلهم يوميا ، او خلع ملابسه ، او تمزيقها ، اومنعه من اللعب معهم ، او السخرية منه ، او اخذ مصروفه او اخذ طعامه ، او اتلافه ، بشكل يومي ، فيلجأ الى الانتحار لشعوره بالعجز عن مواجهة تلك الضغوط والتصرفات ، حينما تعجز المؤسسة التربوية عن مساعدته ، ويهمله او لا يكثرث به ابواه ، او يعجز عن مصارحتهم بما يتعرض له لانهم يكذبونه او يوجهون اللوم اليه .
ويقع في مجتمعاتنا ان تضغط زوجة الاب على اولاده من مطلقته او ارملته - خصوصا اذا كانوا من الاناث - بطريقة غير انسانية وقد يدفعهم ذلك الى الانتحار ([1]).
وتلك الصورة الاربعة تمثل نماذج من ظاهرة ( دفع الاخرين الى الانتحار ) او ( التسبب في انتحار الاخر ) وهي صورة بشعة من صور العنف في المجتمع  ضد عينة من اصناف فئاته المختلفة سواء اكانوا من الاطفال او الشباب او النساء او المسنين  ، ولا يخلو منها مجتمع في العالم ، مع اختلاف مستوى ظهورها وحجم ممارستها ، واسبابها ، ودوافعها ، وشجاعة المجتمع في الاعتراف بوجودها ومدى جديته في مواجهتها .
ومن اهم وسائل دفاع المجتمعات ضد هذا النوع من العنف القاسي - غير المبرر - هو تجريم هذا النوع من الافعال باعتبار ان ذلك خير وسيلة قانونية لمنع الناس من التورط فيها .
وفي حدود ما يتعلق بنا في العراق فأن قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 قد جرم فعلين اثنين مرتبطين بالانتحار هما ( التحريض على الانتحار ) و ( المساعدة على الانتحار ) فقط  ، ولا تعد الجريمة قائمة الا اذا وقع الانتحار او شرع الشخص بقتل نفسه ، اما اذا استمر المحرض على تحريض الاخر لينتحر ولو كان صغيرا او ناقص الادراك او الارادة كالمجنون والمعتوه ، ولكن المحرض لم ينتحر ولم يحاول الانتحار ( يشرع في الانتحار ) فلا جريمة بالموضوع ولو استمر صاحبنا في التحريض على الانتحار الى ما لا نهاية ، وكذلك لو ساعده بان احضر له الاداة التي ينتحر بها كأن اعطاه مسدسا ليقتل نفسه او شد له الحبل الذي سيشنق نفسه به ، او احضر له السم ليشربه ، فأن فعله مباحا ما لم يقوم الشخص المعني بقتل نفسه او ان يحاول قتلها .
اما الصورة التي ذكرناها المتعلقة بدفع اخر للانتحار او التسبب في انتحار اخر ، فلا  تعد من صور التحريض على الانتحار ولا من صور المساعدة عليه ، لذا فانها غير مجرمة وفقا للقانون العراقي ، رغم بشاعة هذه الجريمة وخطورتها على من تقع عليه ، وهي اقرب الى اخطر الجرائم واقدمها ( جريمة القتل العمد )، فمن يتسبب في انتحار اخر ، او يدفعه بافعال غير مشروعة على الانتحار ، هو اقرب الى القاتل منه الى شئ اخر .
ورغم ان محكمة الجنايات حكمت على عشيق الزوجة - في النموذج الاول من جرائم دفع الاخر للانتحار - وفق جريمة الضرب المفضي الى الموت المنصوص عليها في المادة ( 410 ) من قانون العقوبات ، الا ان مرتكبي افعال ( دفع الاخرين للانتحار ) في النماذج الثلاث الاخرى لم يتخذ ضدهم اي اجراء لان القانون النافذ لا يجرم افعالهم ، فلا يجرم قانوننا العقابي افعال دفع الاخرين للانتحار او التسبب في انتحارهم  .
ومع احترامنا لرأي محكمة الجنايات في ادانة عشيق الزوجة - الذي انتحر زوج عشيقته بسبب علاقته غير المشروعة بزوجته ورسائله في وصف جسدها ووصف افعال الزنا بها – عن جريمة الضرب المفضي الى الموت ، فأننا نختلف معها لان هذه الجريمة لا تنطبق نهائيا على فعل المتهم ، ولو ان النص جاء بالقول :-
( من اعتدى عمدا على اخر بالضرب .... او بارتكاب اي فعل اخر مخالف للقانون ، ولم يقصد من ذلك قتله ، ولكنه افضى الى موته ... )
فيبدو لاول وهله ان فعل العشيق يدخل في عموم قول النص ( او بارتكاب اي فعل اخر مخالف للقانون ) باعتبار ان زنا العشيق بزوجة المنتحر وارساله الرسائل اليه فعل مخالف للقانون ادى الى موته ، ولكن ذلك غير صحيح لانه يشترط لقيام ( جريمة الضرب المفضي الى الموت ) ان يكون فعل الجاني ماسا بسلامة جسد المجنى عليه او صحته ، وصالحا في حد ذاته في تحقيق الوفاة ، في حين ان الفعل المخالف للقانون الذي ارتكبه العشيق وهو الزنا وارسال رسائل ( sms ) لا يعد ماسا بجسد المنتحر ، ولا تصلح نهائيا لتحقيق وفاته ، فلا يمكن ان يصلح الزنا بالزوجة لتحقيق وفاة الزوج مهما تكرر ، ولا يصلح ارسال الرسائل بالهاتف النقال لتحقيق الوفاة نهائيا .
فيتوجب لتجريم فاعل ما ان تكون الجريمة ناتجة عن سلوكه الاجرامي وفقا لنص المادة ( 29 / 1 ) من قانون العقوبات ، ولا يمكن ان يقال ان موت الضحية كان نتيجة سلوك عشيق زوجته ، لان موته كان نتيجة اطلاقه النار على نفسه من مسدسه .
لكن الفعلين الذين ارتكبهما عشيق الزوجة يصلحان لترك اثر نفسي قاسي على الزوج المنتحر ، انما يظللان غير صالحين لتحقيق الوفاة ، وبالتالي لا تقوم جريمة الضرب المفضي الى الموت في فعل العشيق .
 لكن الزنا بالزوجة وارسال الرسائل باوصاف مواقعتها وعلامات جسدها الفارقة ، اثرت في الضحية نفسيا وشكلت ضغطا شديدا عليه فادى به الى قتل نفسه ، ففعل الضحية هو من ادى الى الوفاة وليس فعل العشيق . ولكن العشيق بافعاله دفع الضحية الى الانتحار او تسبب في انتحاره .
لذا فأن افعال العشيق التي دفعت الضحية للانتحار غير مجرمة لعدم انطباق اي نص عقابي عليها ، وهو لا يمكن ان يلاحق عن جريمة الزنا لان هذه الجريمة لا تحرك الا بشكوى الزوج ، الذي قتل نفسه قبل ان يحرك الشكوى عن جريمة زنا الزوجية ، فلا يمكن قانونيا تحريكها من بعده .
وما نريد قوله في النهاية هو ان افعال ( دفع الاخرين للانتحار ) او ( التسبب في انتحارهم ) غير مجرمة في القانون الاتحادي العراقي ، ولا يمكن ملاحقة مرتكبيها التزاما بالقاعدة الدستورية العامة ( لا جريمة ولا عقوبة الا بنص ) ([2])، الا ان اقليم كوردستان عالج هذا الموضوع – بفضل صلاحياته الاقليمية – مرتين :-
المرة الاولى :- حينما اوقف – بموجب القانون رقم ( 42 ) لسنة 2004 نفاذ المادة ( 408 / 1 ) من قانون العقوبات واحل محلها الاتي :- ( يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات من حرض شخصا او ساعده باية وسيلة على الانتحار او تسبب فيه ، اذا ما تم الانتحار بناء على ذلك ، وتكون العقوبة الحبس في حالة الشروع ) .
فاقليم كوردستان جرم فعل ثالث اضافة الى الفعلين الموجودين بالنص الاتحادي ( التحريض والمساعدة ) هو ( التسبب في الانتحار ) ، وهذا يستوعب فروض دفع الاخر على الانتحار بنماذجه المختلفة التي ناقشناها في هذا المقال .
المرة الثانية :- حينما جرم ( الانتحار اثر العنف الاسري ) كصورة من صورة العنف الاسري في المادة الثانية من قانون مناهضة العنف الاسري في اقليم كردستان رقم ( 8 ) لسنة 2011 . ورغم ان صياغة النص لم تكن موقفة بهذه العبارة الا ان ارجاعها الى اصلها باعتباره صورة من صور العنف الاسري وفق تعريفه في المادة الاولى من القانون ([3])، يجعل النص مستوعبا لفروض الانتحار بسبب ضغوطات العنف داخل الاسرة .
الا ان هذين النصين لا يطبقان الا في حدود اقليم كوردستان فقط ، مما يتطلب اصدار قوانين من مجالس المحافظات طبقا لصلاحياتها الدستورية ، او تعديل قانون العقوبات الاتحادي بما يضمن تجريم افعال ( دفع الاخر للانتحار ) او ( التسبب في انتحاره ) .   
                                                                                                             القاضي
                                                                                                       رحيم حسن العكيلي
                                                                                                           اب / 2012


[1] - في واحدة من ابشع حوادث بغداد حرضت الزوجة الاب على طفلته من زوجته السابقة البالغة من العمر ثمان سنوات ، ونتيجة ضغوطات الزوجة المتكررة  عليه  وشكواها من الطفلة ، قام في احد الايام بتعليقها ( اي الطفلة ) في جدار البيتونة واخذ بضربها بشكل متكرر لثلاثة ايام بانبوب بلاستيكي ( صوندة ) بلا طعام ولا شراب حتى فارقت الحياة دون ان يشعر بها احد . فحكم عليه بالسجن المؤبد .
[2] - نصت المادة ( 19 / ثانيا ) من الدستور :- ( لا جريمة ولا عقوبة الا بنص ، ولا عقوبة الا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة ولا يجوز تطبيق عقوبة اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة ) ونصت المادة ( 1 ) من قانون العقوبات :- ( لا عقاب على فعل او امتناع الا بناء على قانون ينص على تجريمه ولا يجوز توقيع عقوبات او تدابير احترازية لم ينص عليها القانون . ) .
[3] - عرفت المادة الاولى من قانون مناهضة العنف الاسري في اقليم كوردستان رقم ( 8 ) لسنة 2011 :- ( ثالثا :العنف الاسري : كل فعل او قول او التهديد بهما على اساس النوع الاجتماعي في اطار العلاقات الاسرية المبنية ([3]) على اساس الزواج او القرابة الى الدرجة الرابعة ومن تم ضمه الى الاسرة قانونا من شأنه ان يلحق ضررا من الناحية الجسدية والجنسية والنفسية وسلبا لحقوقه وحرياته .

الخميس، 2 أغسطس 2012


تعليق على قرار :- لا تعويض للمتضررين الاجانب
في قانون هيئة دعاوى الملكية
                                                                                              
انتهت هيئة الطعن التمييزي في هيئة دعاوى الملكية في رأيها الاستشاري المرقم 9 / 748 في 26 / 4 / 2012 بعدم استحقاق الاجانب للتعويض عن عقاراتهم التي صادرها او استولى عليها النظام السابق دون وجه حق ، بقولها في الرأي المذكور :-
( تبين بان المدعية ( ل . ط . ص ) سورية الجنسية وقد حكم لها بالتعويض رغم ذلك ، خلافا لاحكام قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010 ، الذي جاء لضمان حقوق المواطنين ، وان مفهوم المواطن ينصرف الى الاشخاص اللذين يحملون الجنسية العراقية ، وحيث ان طرق الطعن قد استنفذت ( التمييز والتصحيح ) لذا نرى عرض الموضوع على رئاسة الادعاء العام لامكانية الطعن لمصلحة القانون في القرار الصادر بالتعويض خلاف القانون ،اذا تبين لها ذلك وفقا لاحكام المادة 30 / ثانيا / أ من قانون الادعاء العام .... ) .  
ملخص الوقائع :-
1-     حكمت محكمة الثورة ( الملغاة ) على زوج ( ل . ط . ص ) العراقي الجنسية بالاعدام ومصادرة امواله وغير المنقولة وفقا للمادة ( 164 ) من قانون العقوبات .
2-     حكمت اللجنة الاقليمية الاولى في الرصافة الثانية / هيئة دعاوى الملكية بالعدد 495753 في 7 / 10 / 2007 لاولاد المالك بمبلغ ( 761,100,000 ) دينار تعويضا لهم عن قيمة عقار والدهم المصادر . ثم حكمت بالعدد ( 495753 / ت2 / 2008 ) في 17 / 6 / 2008 لزوجته ( ل . ط . ص ) بمبلغ ( 190,275,000 ) دينار التي تمثل حصتها من تلك القيمة ، واكتسب القرار الدرجة القطعية بتصديقه تمييزا وتصحيحا .
3-     حين تنفيذ القرار وجد بان زوجة المالك سورية الجنسية . فامتنعت الهيئة عن صرف المبلغ المحكوم به لها بحجة ان التعويض لا يستحقه غير العراقيين . وعرضت الامر على الهيئة التمييزية لديها ، فاصدرت قرارها الاستشاري محل التعليق .
النقاط التي يثيرها القرار :-
1-     هل يستحق الورثة الاجانب للعراقي - المنتزع عقاره ظلما من النظام السابق - تعويضا وفقا لقانون هيئة دعاوى الملكية ؟
2-     هل يقبل القرار ( القاضي بتعويض الاجنبية ) الطعن عليه لمصلحة القانون ؟
وسنناقش هاتين النقطتين في بندين :-
اولا :- مدى استحقاق الوارث الاجنبي للتعويض عن عقار مورثه العراقي المصادر :-
انتهت الهيئة التمييزية الموقرة في هيئة دعاوى الملكية الى عدم استحقاق غير العراقيين للتعويض طبقا لاحكام قانون هيئة دعاوى ، ولو كان مورثهم الذي انتزع عقاره عراقيا ، استنادا الى ان قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010 الذي انما جاء لضمان حقوق المواطنين  وهم حاملي الجنسية العراقية فقط .
ولا نتفق مع هذا الرأي بخصوص الواقعة محل البحث من الجهات الاتية :-
1-     ان قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010 نص في مادته ( 2 ) :- ( يهدف هذا القانون الى ما يأتي :- اولا :- ضمان حقوق المواطنين الذين انتزعت عقاراتهم خلافا للقانون . ... ) فالنص الحق وصف ( المواطنين ) بوصف اخر هو ( من انتزعت عقاراتهم ) لذا فأن ( المواطنة ) شرط فيمن انتزع عقاره ، وليس شرطا في ورثته . فأذا كان من انتزع عقاره عراقيا ، شلمه القانون باحكامه ولو كانت ورثته الحقيقيين او الظاهريين من الاجانب . لذا فاننا لا نتفق مطلقا مع قرار هيئة الطعن التمييزي في هيئة دعاوى الملكية حينما انتهت الى عدم استحقاق زوجة المعدوم السورية لحصتها في التعويض من قيمة عقار زوجها المصادر ، استنادا الى شرط المواطنة .
2-     يقع كثيرا ان يكون من انتزع عقاره عراقيا الا ان ورثته من العراقيين والاجانب ، فلو حكم برد ملكية العقار اليه واعادة تسجيله باسمه بالقيد الذي كان مسجلا به وقت انتزاعه منه ، فهل يستحق ورثته جميعا الملكية عراقيين واجانب ام يقتصر على العراقيين فقط ؟ لا شك ان الجواب هو شمول الورثة جميعا عراقيين واجانب ، كل بحسب سهامه في القسام الشرعي . والا فأن عدم شمول الورثة ممن لا يحملون الجنسية العراقية يعني الحكم باعادة العقار جزئيا في حدود سهام الورثة العراقيين ، وترك سهام غير العراقيين من الورثة المالكي الحالي للعقار ، وهي نتيجة غير منطقية . لذلك فأن الزوجة السورية في الواقعة محل البحث كانت ستستحق حصتها من ملكية العقار اذا ما اعيدت ملكيته ، فلماذا – اذن – تحرم من حصتها من القيمة اذا حكم بالتعويض بدل عن اعادة الملكية ، رغم انها تستحق الملكية - لو حكم باعادتها - وهي اقوى من القيمة  ؟
3-     لم يستعمل القانون لفظ ( المواطن ) او ( المواطنين ) حينما اشار الى التعويض ، بل استعمل لفظ اعم هو ( المالك الاصلي ) مثل المادة ( 7 ) من قانون الهيئة رقم 13 لسنة 2010 الذي نص :- ( ثانيا :- اذا كان العقار المصادر او المستولى عليه مخصصا للنفع العام او لاغراض خيرية فيعوض المالك قيمة العقار ... ثالثا :- .. ب – احتفاظ المالك الاخير بالعقار وتعويض المالك الاصلي قيمة العقار ... ) .  وفي ذلك مدلوين مهمين ، المدلول الاول انه امر بتعويض المالك الاصلي ، وهذا لفظ عام يشمل الوطنيين والاجانب ولو اراد حصره بالمواطنين لاستعمال لفظ ( المواطن ) بدل ( المالك الاصلي ) ، اما المدلول الثاني فهو ان القانون حينما امر بتعويض المالك الاصلي فهو انما يقصد مالك العقار الذي انتزع منه ، وليس ورثته او اصحاب حقوق الانتقال عنه ، بل ان القانون لم يتبنى النص على التخيير بينهما فلم ينص ( بتعويض المالك الاصلي او رثته ) بل امر بتعويضه هو ، لذا فأن ( المواطنة ) وصف يشترط ( في المالك الاصلي ) وليس في ورثته ، لان التعويض انما امر به القانون لمالك العقار الاصلي ، وانما ينتقل منه الى ورثته ارثا او انتقالا  وفقا لقواعد الارث والانتقال المنصوص عليها في القوانين المعنية ، ولا علاقة لها بموضوع المواطن المنصوص عليه في قانون هيئة دعاوى الملكية .
4-     ان الحكم بتعويض الزوجة السورية عن عقار مورثها العراقي صدر بتاريخ 17 / 6 / 2008 في دعوى اقيمت قبل هذا التاريخ حتما ، الا ان الحكم فيها اكتسب درجة البتات بتاريخ 15 / 12 / 2010 ، ومعنى ذلك ان الدعوى اقيمت وصدر الحكم فيها في ظل قانون هيئة حل نزاعات الملكية العقارية رقم 2 لسنة 2006  الملغى، فهو القانون الواجب التطبيق عليها لان العبرة فيما يطبق على الدعاوى من القوانين هو بالقانون النافذ وقت اقامة الدعوى ، ولا يرد في ذلك القانون نص يقيد احكامه بحصر انصافه بالوطنيين ، كما فعل القانون الحالي ، اذ جاءت نصوصه عامه تشمل في اطلاقها الوطننين والاجانب ، بل ان اسبابه الموجبة كانت قاطعة الدلالة في شمول الوطنيين والاجانب بقولها :- ( ان الغاية الاساسية من مشروع القانون هي ضمان الحماية القانونية للناس كافة ... )  فهي قانون لانصاف الناس كافة ممن انتزعت عقاراتهم خلاف الانصاف ولاغراض سياسية او طاءفية او عرقية دينية او نتيجة سياسات التهجير العرقي او الطائفي او القومي . فكان يتوجب اعطاء الرأي في استحقاق الزوجة السورية للتعويض في ضوء احكام هذا القانون لا في ضوء احكام قانون الهيئة رقم 13 لسنة 2010 والتي لا شك ولا نزاع في استحقاق الاجنبي – وفقا لاحكامها الصريحة - ما يستحقه العراقي .
5-     ليس من الانصاف بشئ حرمان الاجانب من حقهم في اعادة ملكية عقاراتهم او تعويضهم عنها ،  برغم الاقرار بان النظام السابق انتزعها منهم بلا وجه حق ، فذلك يعد انتهاكا صارخا لحقوق الانسان ، وخرق للمبادئ الدستورية التي تقضي بان الملكية الخاصة مصانة ، ولابد للقضاء حينما يمارس دوره في تفسير النصوص القانونية ان يميل بتفسيراته الى ما ينصف الناس ، ويتبنى من الحلول ما يقرب معاني النصوص القانونية من الاحكام الدستورية وبما يؤمن توافقها مع مبادئ الدستور العامة ومع المعايير الدولية ، اما حرف تفسير النصوص القانونية باتجاه ابعادها عن القواعد الدستوية والمعايير الدولية ،خصوصا معايير حقوق الانسان ، فأن ذلك سيؤدي حتما الى ظلم الناس واهدار حقوقهم .
ثانيا :- هل يقبل القرار الصادر للسورية - بتعويضها عن عقار مورثها العراقي - الطعن عليه لمصلحة القانون ؟
صدر القرار للزوجة السورية الجنسية بتاريخ 17 / 6 / 2008 من اللجنة القضائية الاولى في الرصافة الثانية التابعة لهيئة دعاوى الملكية ، وكانت محكمة التمييز قد استقرت على عدم جواز الطعن في قرارات اللجان القضائية الاقليمية التابعة لهيئة دعاوى الملكية لمصلحة القانون باعتبار ان هذا الطعن الاستثنائي الخاص ينحصر في ثلاث اصناف من القرارات فقط وفقا لنص المادة ( 30 / ثانيا / أ ) من قانون الادعاء العام ، ليس من بينهما القرارات الصادرة من اللجان ، ولو كانت برئلسة قاضي ، ما دامت لا تعد صادرة من محكمة او مدراء دوائر القاصرين او المنفذين العدول وفق صراحة النص المذكور ، اذ قضت الهيئة العامة في محكمة التمييز بالعدد 430 / طعن لمصلحة القانون / 2009 في 16 / 9 / 2009 :- ( ... الاصل ان الاحكام والقرارات المكتسبة الدرجة القطعية تكون واجبة التنفيذ ولا يصح سلوك اي طريق اعتيادي للطعن فيها باستثناء طريق الطعن لمصلحة القانون  ، فهذا الطريق يعتبر كاستثناء للقاعدة العامة والاستثناء لا يجوز القياس عليه والتوسع فيه ، ولما كان قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 قد بين بالمادة 11 منه انواع المحاكم ولم يعتبر اللجان القضائية من التشكيلات القضائية وبما ان المادة 30 من قانون الادعاء العام قد اجازت الطعن لمصلحة القانون باحكام وقرارات المحاكم فلا يسري ذلك على اللجان القضائية طالما لم يرد ذكرهاا بالمادة المذكورة .. نستخلص مما تقدم ان اللجان القضائية ومنها اللجنة المختصة بالنظر في دعاوى الملكية العقارية لا تخضع القرارات التي تصدرها الى طريق الطعن لمصلحة القانون .. ) ([1]).
الا ان الحكم المذكور لم يصدق تمييزا الا بتاريخ 15 / 12 / 2010  اي بعد نفاذ قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010 الذي نصت المادة ( 9 / ثانيا ) منه على جواز الطعن في قرارات اللجان القضائية بطريق الطعن لملصحة القانون وفقا للاجراءات المنصوص عليها في قانون الادعاء العام رقم 159 لسنة 1979 ، فعلى فرض شموله بهذا النص – رغم ان القانون لم ينفذ الا بعد اقامة الدعوى وبعد صدور الحكم في ها – فيظل الحكم غير قابل للطعن عليه لمصلحة القانون ، لان من شروط الطعن بذلك الطريق ان لا يكون ايا من ذوي العلاقة قد طعن في الحكم طبقا لعجز المادة ( 30 / ثانيا ) من قانون الادعاء العام ، في حين ان القرار محل البحث قد طعن به بطريق التمييز ثم تصحيح القرار التمييزي فرد الطعنين وصدق الحكم .وانما اجازت المادة ( 9 / ثانيا ) المذكورة الطعن لمصلحة القانون في احكام اللجان القضائية ولكن طبقا للاجراءات المنصوص عليها في قانون الادعاء العام ، اي بشروط ذلك القانون ، واهم  تلك الشروط  هو ان لا يكون ايا من ذوي العلاقة قد طعن في القرار بطعن استوفى شروط الشكلية .
الا ان الصحيح هو عدم شمول الاحكام التي صدرت قبل نفاذ القانون بالطعن عليها بطريق طعن استحدثه القانون الجديد ، لان القانون اذا كان لايجيز الطعن في الحكم بطريق طعن معين ، ثم صدر قانون يجيز الطعن به بذلك الطريق ، فأن الاحكام التي صدرت قبل نفاذ القانون الجديد لا يجوز الطعن عليها بهذا الطريق ،([2]) لان الحق في الطعن يولد وقت صدور الحكم وليس وقت رفع الطعن [3]، ولا وقت النظر فيه .
لذا فلا سبيل – لا موضوعي ولا اجرائي – للاخذ برأي هيئة الطعن التمييزي الموقرة في هيئة دعاوى الملكية .

                                                                                                             القاضي
                                                                                                      رحيم حسن العكيلي
                                                                                                        تموز / 2012


[1] - قضت محكمة التمييز الاتحادية بالعدد 5 / طعن لمصلحة القانون / 2010 في 15 / 3 / 2010 :- ( ... ان الطعن لمصلحة القانون .. قد انصب على الطعن بالقرار .. الصادر عن هيئة حل نزاعات الملكية العقارية وبما ان المادة 30 / ثانيا / أ من قانون الادعاء العام .. قد حددت الاحكام والقرارات التي يجوز فيها الطعن لمصلحة القانون ولم يكن القرار المطعون فيه من بين القرارات المذكورة في المادة 30 من قانون الادعاء العام مما يترتب عليه عدم جواز الطعن فيه عن طريق الطعن لمصلحة القانون ... ) .
[2] - قضت محكمة التمييز الاتحادية بالعدد 72 / طعن لمصلحة القانون / 2010 في 10 / 10 / 2010 :- ( ان رئيس الادعاء العام يطعن لمصلحة القانون بالقرار الصادر من اللجنة القضائية الثانية في الكرخ الثالثة بالعدد 912765621 / 2007 ( في 2 / 9 / 2007 ) ولما كان قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010 وان اجاز بالمادة ( 9 / ثانيا ) منه الطعن بالقرارات القضائية بطريق الطعن لمصلحة القانون وفقا للاجراءات المنصوص عليها في قانون الادعاء العام رقم 159 لسنة 1979 ولما كان القانون المذكور لم يرد فيه نص بسريان احكامه فيما يتعلق بالطعن لمصلحة القانون على الماضي وانما ورد في المادة ( 28 ) منه على ان ينفذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية وقد تم نشره بالوقائع العراقية بالعدد 4147 في 9 / 3 / 2010 فيكون الطعن لمصلحة القانون بالقرارات الصادرة قبل نفاذ القانون لا تستند الى سبب قانوني صحيح ..) 
[3] - د . عيد محمد القصاص - الوسيط في قانون المرافعات المدنية والتجارية – ط1 – 2005 – دار النهضة العربية – القاهرة . ص19 و 20 . 

المعايير الدولية لحرية الرأي
                                                                                           
( حرية الرأي ) و ( حرية التعبير ) من الحقوق الاصيلة للانسان ، وهما حقان متلازمان متكاملان ، لا يخلو دستور في العالم من الاشارة الى وجوب ضمانهما ، وحظيا باهتمام خاص في المواثيق الدولية ، اذ نصت المادة ( 19 ) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان :- ( لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الاراء دون مضايقة ، وفي التماس الانباء والاحكام وتلقيها ونقلها الى الاخرين باية وسيلة ودونما اعتبار للحدود ) .
في حين نصت المادة ( 18 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية :- ( 1- لكل انسان حق في اعتناق اراء دون مضايقة . 2- لكل انسان حق في حرية التعبير . ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والافكار وتلقيها ونقلها الى الاخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب او مطبوع او في قالب فني او باية وسيلة اخرى يختارها . 3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة ( 2 ) من اخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة ان تكون محددة بنص القانون وان تكون ضرورية لـ :- أ- لاحترام حقوق الاخرين او سمعتهم . ب- لحماية الامن القومي او النظام العام او الصحة العامة او الاداب العامة . ) .
وواضح من النصين المذكورين  ان العهد الدولي فرق بشكل واضح بين ( حرية الرأي ) و( حرية التعبير ) ، بخلاف الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تحدث عنهما وكأنهما حق واحد .
و( الحق في حرية الرأي ) هو حق الانسان في اعتناق ما يشاء من الاراء والافكار والعقائد والنظريات ، وبعبارة اخرى هو حق الانسان في ان يمارس عمليات التفكير والايمان والاعتقاد بحرية كاملة ، وان يتبنى ما يشاء من الاراء والافكار والنظريات والعقائد بغض النظر عن كونها صحيحة او منحرفة من وجهة نظر الاخرين اومن وجهة نظر المجتمع او من وجهة نظر السلطة الحاكمة ، فهو عملية فكرية داخلية قلبية يعتنق بها الانسان ما يشاء او ما يؤمن به في كل ميادين العلم والحياة والدين وما بعد الطبيعة وغيرها .
و( الحق في حرية الرأي ) حق مختلف عن ( الحق في حرية التعبير ) الذي يمارس فيه الانسان حقه في نقل افكاره واراءه الى الاخرين بطرق مختلفة ، فحرية الرأي هي حرية تنصب على عملية قلبية داخلية تسبق ممارسة حرية التعبير التي تمارس عادة بطرق وادوات ومظاهر خارجية سواء  تمت شفاها او كتابة او برسم او بفن او بصورة وغيرها . 
ويحكم الحق في ( حرية الرأي ) مبدأن :-
المبدأ الاول :- ان الحق في حرية الرأي حق مطلق بلا قيود ولا شروط ولا محددات :- اي ان الانسان حر ، باطلاق كامل ، بلا قيود ولا شروط في ان يعتنق ما يشاء من الاراء ، سواء اكانت اراء لغيره ، او هي اراءه الخاصة التي ابتدعها بنفسه لاول مرة ، وسواء تعلقت بالانسان او الدين او العقائد او العلوم او انظمة الحكم او مؤسسات الدولة وسلطاتها او القوانين او اراء العلماء والفقهاء او الكتب المقدسة  او الرب او السماء او الاشخاص ولو كان مقدسين عند فئة او مجتمع او ديانة ما ... الخ ، وبغض النظر عن كونها تتطابق مع اراء الاخرين او تتقاطع معها ، او تتطابق مع اراء الغالبية او تتعارض معها ، وبغض النظر عن كونها مزعجة او منفرة للاخرين او للسلطة الحاكمة او مفرحة لهم .
فلا حق لاحد - بضمن ذلك السلطة الحاكمة او القضاء - فرض قيود او شروط او محددات على حرية الشخص في ان يعتنق ما يشاء من الاراء والعقائد والافكار والنظريات ، مهما كانت الحجة وراء تلك القيود او الشروط او المحددات ،كأن تكون بحجة ان الاراء او النظريات التي يعتنقها الشخص كفر او زندقة او انحراف او تتضمن اهانة للمقدسات او فيها ما يخل بالاداب او النظام العام او الامن العام او الصحة العامة او باية حجة اخرى ، لان الحق في حرية الرأي حق مطلق لا قيود ولا شروط ولا محددات عليه ، فلا يلاحق الانسان لانه يؤمن بخلق القرأن مثلا ، او لانه يذهب الى انه قديم ، ولا حق لاحد في منعه او مضايقته لمجرد انه يعتقد  بعدم صحة حادثة تاريخية معينة ، او لمجرد انه لا يؤمن بتقديس رجل ما ، او يقيمه عند نفسه بطريقة تختلف عن تقييم غيره له ، ولا يضايق او يعتقل لمجرد انه يؤمن بالشيوعية او الماركسية وهكذا .
وينبع هذا المبدأ - القاضي باطلاق حرية الانسان في الرأي - من طبيعة البشر ،فلا يمكن التحكم مطلقا فيما يؤمن به الانسان وما يرفض الايمان او الاعتقاد به من الاراء والافكار والعقائد والنظريات ، كما انه حينما يعتنق فكر او رأي ما فأنه – في حدود ذلك الاعتناق – لا يؤثر على حق احد ولا يعتدي على حياض حرية الاخرين ، لان اعتناق الاراء والافكار عملية قلبية داخلية ، وبما ان حرية الرأي هي احدى الحريات فأنها لا تقيد الا اذا تضمنت اعتداء على حقوق الاخرين او حرياتهم ، وبما ان حرية الرأي – باعتبارها عملية قلبية داخلية - لا يتصور منها مطلقا ان تكون اعتداءا على حريات الاخرين وحقوقهم فلا وجه لتقييدها او التدخل فيها ، بخلاف حق التعبير الذي يمارسه الانسان بادوات ومظاهر خارجية قد ترتب اعتداء على الاخرين او مساسا بالنظام العام او الاداب او الامن العام لذا جاز وضع قيود معينة عليها بحدود ضيقة جدا .
المبدأ الثاني :- ضمان ممارسة حرية الرأي دون مضايقة :- اذ يفرض الحق المطلق في ( حرية الرأي ) على الدولة واجب ضمانة للاشخاص دون مضايقة او تدخل ، فرغم ان الدولة لا تستطيع نهائيا التدخل – باي شكل من الاشكال - في حرية انسان ما - سواء اكان من رعاياها او اجنبي – في اعتناق ما يشاء من الاراء ، الا انها ملزمة بتوفير اجواء له تمكنه من ذك دون ان تضايقه سلطاتها او التابعين لها ، او يضايقه او يضغط عليه اي شخص او جهة او مجموعة ، اي انها ملزمة قانونا بحماية حرية الفرد في اعتناق ما يشاء من الاراء من جهتين :-
الجهة الاولى :- حماية حرية الرأي من تدخلها ومضايقتها هي ، ويشمل ذلك نوعين من الحماية :-
أ‌-        حماية حرية الرأي من اعتداء او تدخل او مضايقة مؤسسات الدولة وسلطاتها الرسمية بضمنها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بل والقضائية ايضا ، فلا حق لاية جهة في مضايقة الافراد او التدخل في شؤون اعتناقهم لاي رأي او معتقد .
ب- حماية حرية الرأي من تدخل او مضايقة او اعتداء الرسميين التابعين لها - سواء اكانوا موظفين او مكلفين بخدمة عامة ، معينين او منتخبين - حين ممارستهم مهامهم الرسمية .
فلا يحق للدولة ولا للتابعين لها ولا مؤسساتها بضمنها المحاكم ملاحقة او اعتقال او محاربة او مضايقة اي فرد او مجموعة لمجرد انها تعتقد انهم يعتنقون فكرا منحرفا او اراء مخالفة للنظام العام او نظريات تخل بالاداب العامة ، او انهم يكفرون بالدين او بمعتقد مقدس عند جماعة فيها ، او يتبنون معتقدات فاسدة او منحرفة او اباحية ، فلا حق للدولة في اتخاذ اي اجراء ضد انسان او جماعة بناء على ما يحملونه او ما يؤمنون به من دين او معتقد او فكر او رأي مهما كان في ذاته منحرفا او خارجا عن المقبول او المألوف ، او متعارضا مع فكر الغالبية او دينهم او معتقداتهم ، فلا يحاسب الانسان عن ما يؤمن به او يعتقده مطلقا .
ولا يقف واجب الدولة هنا في حدود الجانب السلبي من موقفها من حرية الرأي بالامتناع عن الاتيان باي فعل يعد ملاحقة او مضايقة للافراد في اعتناق ما يشاءون ، بل يمتد واجبها ازاء حرية الرأي الى صورة ايجابية تتمثل بتوفير البيئة المناسبة لممارسة هذه الحرية بلا مضايقة والا كانت منتهكة لحقوق الانسان وغير ممتثلة للمعايير والاتفاقيات الدولية .
الجهة الثانية :- حماية حرية الرأي من تدخل او مضايقة الافراد الاخرين والجماعات والمؤسسات غير الرسمية داخل الدولة ، فلا يقتصر واجب الدولة في حماية حرية الفرد في اعتناق الاراء على ضمان حمايتها من تدخل مؤسساتها وسلطاتها والتبعين لها فقط ، بل يمتد ليشمل واجبا اهم في حماية حرية الفرد من مضايقة او تدخلات الافراد والجماعات سواء اكانت منظمات او جماعات شرعية او غير شرعية ، وسواء اكانت خاضعة للقانون او خارجة عنه باي صيغة كانت ، ويشكل ذلك منظمات المجتمع المدني والاحزاب والعشائر وغيرها .
فالدولة – اذن - لا حق لها في التدخل - مطلقا – باي شكل في حرية الانسان بالرأي ، ولكن عليها واجب حماية حقه هذا بان يمارسة دون مضايقة او تدخل او اكراه  ، وقد نصت المادة ( 37 / ثانيا ) من الدستور العراقي الدائم لعام 2005 :- ( تكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني . ) .
والحقيقة ان واجب الدولة في حماية حرية الرأي لا يقف عند حدود منع الاكراه الذي ذكره الدستور العراقي ، بل يتعداه الى توفير الاجواء المناسبة لممارسة حرية الرأي دون مضايقة على حد تعبير الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
ومع ان ( حرية الرأي ) حق مستقل من حقوق الانسان عن حقه في ( حرية التعبير ) الا ان البشر مجبول على نقل ما يؤمن به من اراء وافكار ونظريات وعقائد الى الغير ، بل واحيانا نشرها على نطاق واسع ، وهذا هو الرابط المتين بين ( حرية الرأي ) و ( حرية التعبير ) . فما هي المبادئ التي تحكم حرية التعبير ؟ لنا عودة في مقال لاحق .
                                                                                                            القاضي
                                                                                                     رحيم حسن العكيلي

الجمعة، 6 يوليو 2012


الاعتراف اخطر الادلة
*نظرة واقعية*
                                                                                                             القاضي
                                                                                                       رحيم حسن العكيلي
تبنت الانظمة التحقيقية التقليدية - فيما مضى - قاعدة ( الاعتراف سيد الادلة ) التي كانت تخفي خلفها حقيقة رهيبة ، تتعلق بعجز تلك الاجهزة التحقيقية عن كشف الجريمة ، والوصول الى مرتكبيها ، الامر الذي اضطرها الى الضغط على المتهمين لاخذ اعترافاتهم بالجريمة ، وروجت ( تلك الانظمة العاجزة ) – بقوة - لاقرار وتبني القاعدة المذكورة ، تلك القاعدة المظللة غير المنصفة ، التي لا زالت بعض الانظمة القانونية المعاصرة - التي عجزت عن مسايرة التقدم - ترددها وتعمل بها ، ليس من منطلق الايمان بها ، بل لاخقاء عجزها القاتل عن الكشف عن مرتكبي الجرائم .
فتلك الانظمة المتخلفة ظلت عاجزة تماما عن كشف مرتكبي الجرائم لعدم توفر قدرات ولا اجهزة ولا مختبرات او علماء قادرون على جمع ادلة حقيقية عن الجريمة ، ورغم ان الامر تغير تماما مع التطور العلمي والتقني الذي انعكس على الاجهزة والادوات والوسائل التحقيقية فاصبح من الصعب جدا افلات مجرم من العقاب ، ليس باكراهه على الاعتراف - كما كانت تفعل الانظمة التحقيقية التقليدية- بل بجمع ادلة مادية لا يكذبها شئ ولا تخطأ – غالبا - في تحديد المجرم الحقيقي .
 الا ان بعض الانظمة التحقيقية والقضائية المعاصرة عجزت عن مسايرة التقدم فظلت متمسكه بـ :- ( الاعتراف كسيد للادلة ) على الرغم من مساوئه الخطيرة جدا ، وعلى الرغم من ان تبني المحاكم لتلك القاعدة شجع الجهات التحقيقية على استعمال ابشع وسائل الاكراه والتعذيب لانتزاعه ، ما دامت المحاكم تأخذ بالاعتراف المنتزع بالاكراه ، وما دامت لا تلاحق بطريقة جدية من يرتكب تلك الافعال من الضباط والمحققين ، وما دام اثبات تعرض المتهم للتعذيب مسألة شبه مستحيلة خصوصا في حالات استعمال وسائل الاكراه والتعذيب التي لا تترك اثرا ماديا ملموسا .
وسنحاول فيما يلي عرض وجوه الضعف والخطورة  في تبني الاعتراف كدليل من وجهة نظر واقعية - خصوصا لدى الانظمة القانونية التي تعجز عن ايقاف ممارسات انتزاع الاعترافات بالتعذيب والاكراه والضغط – في خمس مطالب نخصص الاول لبحث دوافع الاعتراف ، ونتعرض في الثاني لمدى مطابقة الاعترافات للواقع ، ونتناول في الثالث البحث في الاعترافات المنتزعة بالضغط او الاكراه ، اما المطلب الرابع فنخصصه لتحديد دوافع الجهات التحقيقية لانتزاع الاعترافات ، ونتعرض في المطلب الاخير الى اسباب اعتبار الاعتراف اخطر الادلة .
المطلب الاول
دوافع الاعتراف
فما الذي يدفع متهما - قد يلاقي عقوبة الاعدام او السجن لمدة طويلة قد تكلفه حياته كلها - الى الاعتراف ؟ فيما يلي بعض دوافع المتهمين على الاعتراف بالجريمة :-
1-      حماية شخص وثيق الصلة به :- وتحمل عقوبة الجريمة بدلا عنه ، كالاب او الاخ او الام او الزوجة او الاب او الحبيبة ... الخ ، وهو صورة  من صور ( الاعتراف افتداءا للغير ) . وهذه اما ان تكون بأندفاع من الشخص من تلقاء نفسه ، او بدفع من اخرين ، ويقع كثيرا – في العراق - ان تدفع العوائل بالاحداث ( الصغار ) للاعتراف بارتكاب جرائم ارتكبها اقاربهم الكبار لتجنب الحكم عليهم ( اي على الكبار ) بالاعدام .
2-      الاعتراف بالجريمة لقاء منفعة مادية :- لتبرئة المجرم الحقيقي وتحمل عواقب الجريمة بدلا عنه ، وهو الصورة الثانية من صور ( الاعتراف افتداءا للغير ) ، اذ وقع في التسعينات من القرن الماضي ان اعترف شرطي على ارتكابه جريمة قتل كانت تشير القرائن المتوفرة فيها الى ارتكابه من احد ابناء المسؤولين في واسط ، وحينما حكم الشرطي بالاعدام انتفض معلنا بان والد المجرم الحقيقي وعده بان لا يحكم بالاعدام وانه يخرجه من السجن لاحقا بعفو خاص ودفع له مبلغ جيد من المال لقاء تحمله الجريمة بدلا عن ولده ، وظهر لاحقا صحة اقواله ، فحكم على ابن المسؤول وافرج عن الشرطي ، ثم تمكن المسؤول من اخراج ابنه بعفو خاص من صدام حسين .
3-      الاعتراف لخلط الحقائق :- اذ سارت بعض المجاميع الارهابية على ان تعترف كل منها بنفس الجريمة ولكن برواية مختلفة وباشخاص مختلفين مما يؤدي الى سقوط جميع الاعترافات والافراج عن المتهمين المعترفين جميعا، ما دامت المحاكم تجد اكثر من مجموعة تعترف بارتكاب نفس الجريمة وبروايات مختلفة ، لصعوبة او استحالة تحديد المجموعة التي ارتكبت الجريمة فعلا من بين المجاميع المسلحة التي اعترفت كل منها على حده بارتكابها .
4-      اعتراف اليائس :- ويقصد به اعتراف مجرم محكوم بالاعدام بحكم بات بجريمة او عدد من الجرائم لم يرتكبها من اجل انقاذ متهمين اخرين لم يحكموا لحد الان عنها ، لانه محكوم بالاعدام ولن يضره شئ اذا حكم مرة او مرات جديدة بالاعدام . وهذه واحدة من الاستراتيجيات التي تبنتها الجماعات المسلحة لتقليل خسائرها وانقاذ بعض اعضائها من الحكم عليهم ، ولا تعد هذه الصورة – لدينا - من صور ( الاعتراف افتداءا للغير ) لان المتهم المعترف هنا لا يفتدي غيره بالتضحية بنفسه على خلاف المعترف لحماية شخص وثيق الصلة او المعترف لقاء منفعة مادية فهذين يضحيان بانفسهما لانقاذ المجرم الحقيقي، اما في صورة المعترف اليائس فأن المعترف – هنا – محكوم بالاعدام فلن يتضرر من اعترافه بجريمة اخرى ما دام انه سيواجه عقوبة واحدة هي الاعدام مرة واحدة .
5-      صحوة الضمير :- وهو الدافع الذي لا يشك في صحة الاعتراف الذي ينتج عنه ، الا انه نادر الوقوع .
6-      ايمان المتهم بسلامة تصرفه حينما ارتكب الجريمة :- كالاخ الذي يسلم نفسه الى مركز الشرطة بعد قتله اخته الباكر غسلا للعار حينما ظهر بانها حامل . وكمن يأخذ بثأره من عدوه .
7-      الاعتراف لبساطة الجريمة :- اذ يعترف مرتكبوا جرائم الخطأ غالبا كمن يدهس شخصا بسيارته ، وكذلك يعترف مرتكبي المخالفات البسيطة كتجاوز الاشارة الضوئية او عدم ربط حزام الامان ، لتفاهة الجريمة والعقوبة ، الا ان تلك الاعترافات الصادرة من المتهمين في هذه الحالات - غالبا - ما يضاف اليها وقائع كاذبة لتبرير افعالهم ، او لالحاق صفة ما بها تخلصا من العقوبة او لتخفيفها ، او على الاقل يعرض المتهم الواقعة بطريقة تخفف من خطأه او تبالغ في خطأ المجنى عليه او تنسب اليه خطأ لم يرتكبه .
8-      الاعتراف انتقاما او نكاية باخرين :- فقد يعترف المتهم بارتكاب جريمة ما من اجل الاضرار باشخاص اخرين حينما يدعي تحريضهم له او اشتراكهم معه فيه ، لاجل الايقاع بهم والحاق الاذى الجسيم من انزال عقوبة جزائية ما بهم كسجنهم ، او تشويه صورتهم وسمعتهم في الاقل . وقد يعترف الابن لالحاق الاذى بوالدته او والده فيعذبهم نكدا وحسرة عليه لعدم استجابتهم لطلباته او لعدم موافقتهم على زواجه من فتاة يريدها او لعدم منحه الاموال التي يطلبها .
9-      الاعتراف بطريق الخطأ :- فقد يعتقد المتهم بانه ارتكب الجريمة فيعترف بها ، رغم ان غيره ارتكبها ، كالسائق الذي يدهس في الظلام انسان ويجده تحت سيارته ، ولكن يثبت لاحقا بان المدهوس كان قد توفي بالسم قبل دهسه والقيت الجثة بالطريق العام .
10-  الاعتراف بناء على خديعة :- كأن يعترف المتهم بانه قتل المجنى علبه حينما استيقظ فوجد نفسه قرب جثته وبيده مسدس ، رغم انه لا يذكر سوى تعاطيه المسكر مع اخرين .وكان ذلك قد رتبه رفقته في تناول المسكرات او الخمر ، لتحميله وزر الجريمة التي ارتكبوها لسبب ما .
11-  الاعتراف للفخر والمباهاة وحب الظهور :- كمن يعترف بقتل قائد عسكري كبير من قوات الاحتلال تفاخرا بارتكابه الجريمة رغم انه لم يرتكبها ، او يعترف كذبا بانه قتل رجل دين يعتقد بفساد عقيدته او كفره تفاخرا بالجريمة. وتعد بعض اشكال الاعتراف بجرائم الثأر من هذا النوع ، اذ يفخر المتهم احيانا بانه ثأر لمقتل ابيه او اخيه وقد لا يكون هو من ارتكب جريمة القتل .
12-  الاعتراف بجريمة لاخفاء حقيقة ما :- كالعاشق الذي يعترف باالشروع بالسرقة حينما ضبط في دار عشيقته ، حفاظا على سر علاقتهما ولكي لا يسئ الى سمعتها وشرفها .
13-  الاعتراف فرارا من جريمة اكبر :- كأن يعترف بانه كان يواعد زوجة المشتكي ، او ابنته ، او انه يحاول التحرش باحدهما ، حينما ضبط في داره ، في حين انه كان  ينوي او يحاول سرقته .
14-  انهيار المتهم لمواجهته بالادلة ضده :- قد تتوفر في الدعوى ادلة مقنعة وقوية ضد المتهم ، وحينما يواجهه المحقق بها ينهار فيعترف بارتكاب الجريمة .
15-  استدراج المتهم :- قد يعترف المتهم بارتكاب الجريمة حينما يستدرجه المحقق باظهار التعاطف مع جريمته ، وتعظيم فعل من قام بها ، او اظهار تعاطفه مع الجريمة ومرتكبها من خلال الطعن بالمجنى عليها وكونه مستحقا لها لانه سئ السلوك او تصرفاته لا اخلاقية ([1]) .
16-  الاعتراف اعمالا للمنطق :- وذلك حينما تقوم ظروف تظهر المتهم وكأنه الفاعل للجريمة قطعا ، رغم انه لم يفعلها ، وانما وجد صدفة في مسرح الجريمة بمظهر يقطع بانه هو من ارتكبها ، فيكون في موقف لا يسعه انكار الجريمة مطلقا فيعترف اعمالا للمنطق ولانه يائس من تصديق الناس له اذا انكر .اذ يروي ابن قيم الجوزية بان الناس دخلت خربة فوجدت رجلا يتشط بدمه ويقف بجانبه رجل يحمل سكينا ملطخة بالدماء في زمن الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ، فأعترف بانه من قتل الرجل ، فأمر الامام بقتله قصاصا ، وقبل تنفيذ القصاص حضر رجل اخر معترفا بالجريمة ، فقال المعترف :- ( ياأمير المؤمنين وما استطيع ان اصنع ، وقفت العسس على الرجل يتشط بدمه وانا واقف وفي يدي سكين وفيها اثر الدم وقد اخذت في خربة ، فخفت الا يقبل مني فأعترفت بما لم اصنع واحتسبت نفسي عند الله ) ، فقال الامام ( ع ) :- ( بئسما فعلت ) . وطلب منه الامام بيان الحادث فأجابه بأنه رجل قصاب خرج الى الحانوت في الفجر وذبح بقرة وسلخها وبينما السكين في يده اخذه البول فذهب الى خربة فقضى حاجته ولكنه شاهد الشخص يتشحط بدمه في طريقه للخروج من الخربة ، فدخل في هذه الاثناء العسس ( الشرطة ) ووجدوه بجانب القتيل والسكين بيده.
17-  الاعتراف بأمل معاملة افضل :- كالذي يعترف بالجريمة لان القانون يخفف عنه العقوبة او يعفيه منها اذا ما اعترف بها من تلقاء نفسه او قبل اتصال علم الجهات التحقيقية بها.
18-  اعتراف المتهم المخدوع :- فيعترف المتهم وتأخذ اقواله بذلك بعد ان يخدعه المحقق او الضابط بانه حوله الى شاهد على شركائه الاخرين ، وحينما تؤخذ اعترافاته بدون تحليفه يمين الشاهد يكتشف انه خدع وانه اعترف على نفسه وان ما قاله سيعد دليلا ضده قد يوصله الى حبل المنشقة . وهذا النوع من الاعترافات يعد اعترافا معيبا لانه اخذ بالخديعة الصادرة من الجهة التحقيقية التي يتوجب بها قانونا تنوير المتهم وافهامه بان كل ما يقوله ستتخذ دليلا ضده ، وليس خداعه بافهامه بان اقواله لا تعد دليلا ضده وانها ستخلصه من وزر الجريمة .
19-   الاعترافات المزورة :- وهي اعترافات تنسبها الجهات التحقيقية الى المتهم دون ان تصدر منه ، اذ تلجأ احيانا الجهات التحقيقية الفاسدة - لاسباب مختلفة -  الى تدوين اعترافات منسوبة للمتهم واجباره على التوقيع عليها رغما عنه او دون اطلاعه على ما كتب فيها .
20-  الاعتراف استجابة لتهديدات او ضغوط غير رسمية :- كأن يعترف المتهم بالجريمة التي لم يرتكبها لان اهل المجنى عليه يهددونه بقتل ولده او الاعتداء على ابنته اذا لم يعترف بها .
21-  الاعتراف خوفا من الاحالة الى جهة تحقيقية سيئة الصيت :- كأن يعترف المتهم بالجريمة المنسوبة اليه لان القاضي اخبره بانه سيحيله الى مكتب مكافحة الاجرام في المحافظة المشهور عنه القسوة مع المتهمين لانتزاع اعترافاتهم ([2]).
22-  الاعتراف استجابة الى ضغوط يمارسها الضباط او المحققون :- اذ قد يلجأ الضباط او المحققون الى تعذيب المتهمين او ترهيبهم او الضغط على اراداتهم بطرق اخرى كالوعد والوعيد والاغواء او الاغراء ، او التهديد بالاعتداء الجنسي على المتهم او المتهمة نفسها ، او احد الاشخاص وثيقي الصلة بها او به  كزوجته او ابنته او امه او حبيبته ، فيضطر المتهم الى الاعتراف بجريمة لم يرتكبها تخلصا من تلك الضغوط .

المطلب الثاني
مدى مطابقة الاعتراف للواقع

يمكن تصنيف دوافع الاعتراف المذكورة فيما سبق - من جهة النظر الى انتاجها اعتراف صحيح من حيث مطابقته للواقع او كاذب - الى ثلاثة اصناف :-

الصنف الاول :- دوافع تؤدي الى اعترافات صحيحة ، هي :- 1- صحوة الضمير . 2- ايمان المتهم بسلامة ارتكاب الجريمة . 3- الاعتراف لبساطة الجريمة .4- استدراج المتهم .

الصنف الثاني :- دوافع تؤدي الى اعترافات كاذبة :- هي :- 1- الاعتراف لحماية وثيقي الصلة . 2- الاعتراف لقاء منفعة . 3- الاعتراف انتقاما او نكاية باخرين .4- التباهي بالجريمة . 5- الاعتراف بطريق الخطأ .6- الاعتراف لاخفاء حقيقية ما . 7- الاعتراف بجريمة فرارا من جريمة اكبر .8- الاعتراف بناء على خديعة .9- الاعترافات المزورة . 10- الاعتراف اعمالا للمنطق .11- الاعتراف لخلط الحقائق . 12- اعتراف اليائس .

الصنف الثالث :- دوافع تؤدي الى اعترافات مشكوك فيها :- هي 1- الاعتراف نتيجة انهيار المتهم . 2- الاعتراف نتيجة الاكراه غير الرسمي . 3- الاعتراف نتيجة اكراه او ضغوطات الجهات التحقيقية .4- الاعتراف خوفا من الاحالة الى جهة تحقيقية سيئة الصيت . 5- الاعتراف بأمل معاملة افضل .6- اعتراف المخدوع .
والحقيقة ان اكثر اصناف الدوافع وقوعا في الحياة العملية هي الدوافع التي تنتج عنها اعترافات مشكوك بها وهي ستة فقط ، ومع ذلك فان الاعتراف نتيجة الدوافع غير الاعتراف بسبب الضغط والاكراه واعتراف المتهم المخدوع والاعتراف خوفا من الاحالة الى جهة تحقيقية سيئة الصيت ، وهي انهيار المتهم والاعتراف بأمل معاملة افضل والاعتراف نتيجة الضغط غير الرسمي  نادرة الوقوع ، اذ يتمكن المتهمون عادة من مواجهة الضغط غير الرسمي والصمود ضده ، وغالبا ما تعجز الجهات التحقيقية التقليدية او المعاصرة المتخلفة من توفير ادلة تواجه بها المتهم فينهار ويقر بالجريمة ، او يسعى لطلب معاملة افضل ، لذلك فأن الاعتراف نتيجة هذه الدوافع الثلاث نادرة الحدوث في الحياة العملية خصوصا في العراق مع اجهزة تحقيقية تقليدية متخلفة عاجزة عن مسايرة التقدم والتطور .
الا ان الاعتراف بسبب ضغوط واكراه الجهات التحقيقية واعتراف المتهم المخدوع واعتراف المتهم خوفا من الاحالة الى جهة تحقيقية سيئة الصيت هو الاكثر وقوعا في الحياة العملية ، قياسا الى حالات الاعتراف بسبب جميع دوافع الاعتراف الاخرى ، اذ ينسب اكثر من 95% من حالات الاعتراف الى هذه الدوافع الثلاث .
وكانت تلك النسبة العالية من الاعترافات المنتزعة بالضغط والاكراه هو السبب الرئيس في جعل الاعتراف اخطر الادلة ، لانها اعترافات مشكوك في صحتها وفي مدى مطابقتها للواقع ، الا انها تعد لدى المحاكم في الانظمة القانونية التقليدية ادلة قاطعة الدلالة في اثبات التهمة ضد المعترف ولو لم يعززه دليل اخر في احيان كثيرة .

 وعموما فأن الاعتراف بالضغط والاكراه لا يخرج عن احتمالين :-

الاحتمال الاول :- ان يعترف المتهم بجريمة ارتكبها فعلا  . وهذا صنفين - من جهة النظر الى اصرار المتهم عليه او تراجعه عنه - فقد يصر المتهم الى النهاية على اعترافه بالجريمة ، ولا يدعي بان اعترافه غير صحيح ، وقد يرجع المتهم عن اعترافه ويدعي بانه انتزع منه بالاكراه والضغط .

الاحتمال الثاني :- ان يعترف المتهم بجريمة لم يرتكبها نهائيا ، وينقسم هذا الصنف من الاعتراف الى نوعين من جهة النظر الى مدى تطابقه مع الجريمة ، هما :- 1- اعتراف مطابق لظروف الجريمة . 2- واعتراف غير مطابق لظروف الجريمة او لا يتفق مع ظروف المتهم المعترف نفسه كأن يعترف بالزنا ويظهر بأنه مجبوب .
 اذ يفترض عقلا ان لا يتطابق ( اعتراف المتهم بجريمة لم يرتكبها ) مع ظروفها وتفاصيلها ، وهذا هو المدخل الذي ينقذ المتهمين ممن يعترفون بجرائم لم يرتكبوها .
الا ان اعتراف المتهم بجريمة لم يرتكبها قد يتطابق مع ظروفها وملابساتها اما :-
1-      لان المتهم المعترف يعرف تلك الوقائع ، فقد يكون ساكنا في المنطقة التي وقعت فيها وتعرف على تفاصيلها مما تناقله الناس ، او لانه اقارب احد اطرافها ، او لان المجرم الحقيقي حدثه عن كيفية وقوعها  ، او لان شخص ما يعرف تفاصيلها حدثه عنها .
2-       وقد تتطابق اعترافات المتهم مع وقائع الجريمة الحقيقية لان المحقق او الضابط يوحي اليه بها اثناء تثبيت اقواله ، او يتعمد تدوينها على لسانه بطريقة تتوافق معها .
3-      وقد تتطابق الاعترافات المنسوبة الى المتهم مع الجريمة لان المحقق وقعه عليها بعد ان دونها بالطريقة التي يريدها دون ان يصدر الاعتراف من المتهم .

المطلب الثالث
الاعترافات المنتزعة بالضغط اوالاكراه

والحقيقة ان معظم الاعترافات التي تصدر عن المتهمين تكون بسبب الضغوط التي تمارس عليهم سواء كانت ضغوطا جسدية كالتعذيب سواء اكان من النوع الذي يترك اثرا على جسد الضحية او من النوع الذي لا يترك اثرا على جسده ، وسواء وقع بالضرب او الكي بالنار او التيار الكهربائي او جنسية كاغتصاب المتهم ، او ضغوط نفسية كالمنع من النوم والحبس الانفرادي الطويل ، او بالتهديد او الوعيد او الاغراء او الاغواء او ممارسة ضغوطا على اشخاص وثيقي الصلة بالمتهم كاغتصاب ابنته او زوجته امامه او كشف عوراتها او تعذيبها.
فالضغط لانتزاع الاعترافات من المتهمين يقع بصور واشكاال ووسائل كثيرة ، تصنف الى قسمين بالنظر الى كونها تترك اثرا على جسد الضحية من عدمه :-
الصنف الاول :- وسائل ضغط واكراه تترك اثرا ماديا :- منها :-
1-      الضرب سواء وقع بالايدي او بوسائل وادوات واشياء مختلفة كالاحذية او العصي او الانابيب البلاستيكية او المعدنية ، وغيرها ، وهو قد يقع على مناطق مختلفة من الجسم ، وبعضه يترك اثرا على الجلد واللحم الخارجي فقط ،  وبعضها قد يترك اثاره على العظم خصوصا الاضلاع وفي الساقين واليدين ،وقد يصل تأثيرها بالحاق ضرر بالاجزاء الداخلية كالكبد والكليتين والرئتين والخصيتين  والمثانة وغيرها .
2-      الكي بالنار ، كلسع ذكر الرجل بعقب السيكارة .
3-      الصعق بالتيار الكهربائي .
4-      الاغتصاب او اللواط .
5-      ادخال الات واشياء في القبل او الدبر ، كالقناني والعصي .
6-      ربط احاليل الرجال لمنعه من التبول لحين اعترافه .
7-      التعليق من الكتفين  لمدد طويلة .
8-      التعليق من القدمين لمدد طويلة .
9-      وضع الاثقال على جسد الضحية لمدد طويلة .
10-  القاء الاثقال على جسد الضحية من مكان عال . كرمي اسطوانة الغاز من السطح على الضحية المدد مربوطا اسفله . 
11-  استعمال مواد حارقة للفم او العين او الجسد عموما .
12-  استعمال الات وادوات الثقب على جسد الضحية .

الصنف الثاني :- وسائل ضغط واكراه لا تترك اثرا ماديا :-    
1-      ابقاء الضحية واقفا لمدد طويلة .
2-      منع الضحية من النوم .
3-      تسليط ضوء قوي تنبعث منه حرارة عالية على جسد الضحية، خصوصا على الوجه .
4-      اخضاعه لسماع اصوات عالية او مدوية .
5-      تعطيش الضحية بشدة .
6-      حرمان من الطعام الا بحدود البقاء حيا .
7-      حرمانه من ادويته الضرورية .
8-      الايهام بالاغراق بالماء .
9-      تنقيط ماء على راسه لمدد طويلة .
10-  اخافته بالحيونات كالكلاب المسعورة ، او العقارب منزوعة الابر او الافاعي منزوعة الاسنان .
11-  التهديد بالقاء القبض على عائلته او ادخالهم كمتمهين في القضية كأبنته او زوجته .
12-  احضار احد افراد عائلته وتهديده بايذاءه او تعذيبه او اغتصابه امام المتهم ، او تعرية الاناث من اقاربه.
13-  اطالة امد الاستجوابات لفترات متصلة ليلا ونهارا لتحطيم اعصابه وتضييق الخناق عليه .
14-  وعده بالعفو عنه او وعده بجعله شاهدا في القضية ، كذبا ، خلافا لاحكام القانون .

والحقيقة ان اساليب الاكراه والتعذيب التي لا تترك اثرا هي اخطر من اساليب الضغط والاكراه التي تترك اثرا ماديا لاسباب كثيرة اهمها :-
1-      لصعوبة اثباتها ، لانها لا تترك اثار مادية على جسد الضحية ، ولانها تجري في غرف مغلقة بعيدة عن عيون الشهود والمخبرين ، فلا يتوفر بشأنها اي دليل معتبر ،غير افادة الضحية نفسه ، وهي لا تكفي لاثباتها من وجه نظر قانونية .
2-      ولانها قد تستمر لمدد طويلة جدا لحين انتزاع اعتراف من المتهم ، فهي اكثر اذى على الضحايا .
3-      وهي لصعوبة اثباتها تغري المحققين والضباط على التمادي في استعمالها دائما ، خصوصا في الجرائم التي تشكل ضغطا ما عليهم .
ويختلف مقدار الضغط والاكراه الكافي لانتزاع الاعتراف من المتهم بحسب طبيعة وتربية وتمرس وثقافة المتهم نفسه ، فقد يعترف متهم لمجرد سبه واهانته بالكلام او بمجرد تهديده بالضرب بالايدي او بالحذاء ، وقد يتخلف اخر عن الاعتراف مهما كان مقدار التعذيب الذي يصب عليه ولو فعلا هو الفاعل للجريمة . الا ان الاعتراف يعد باطلا ويتوجب اطراحه كدليل  [3]، مهما كان مقدار الاكراه او الضغط - الذي استعمل لانتزاعه من المتهم - ضئيلا .
ولعل اخطر ما في ( الاعتراف المأخوذ بالضغط ا الاكراه ) هو انه ينسب الجريمة ليس الى مرتكبها ، بل الى من ( وقع عليه الاكراه لانتزاع اعترافه ) ، لذلك يتوجب اطراحه بشكل كامل وعدم الاعتداد به ولو باعتباره قرينة بسيطة ، لانه لا يشكف فاعل الجريمة ، بل يعطيك قناعة مهمومة بان المعترف هو من ارتكب الجريمة ، وقد لا يكون ذلك حقيقيا مطلقا .
لذلك فان الاعتراف لا يعد – من ناحية فعلية ومنطقية - دليلا جزائيا ، لانه – في الحقيقة - اعفاء من الدليل ، شأنه شأن الاقرار في القضايا المدنية فهو اعفاء من تقديم الدليل وليس بدليل ، فتوفير الادلة ضد شخص ما بتهمة ارتكاب جريمة معينة يقع على عاتق الجهات التحقيقية ، في حين يعفي اعتراف المتهم تلك الجهات من مسؤوليتها في تقديم الادلة . لذلك تسعى تلك الجهات حينما تعجز عن اداء واجباتها في توفير الادلة الى الضغط على شخص ما لانتزاع الاعتراف منه لتعفي نفسها من متاعب البحث عن الدليل .
 لذلك تجد الجهات التحقيقية العاجزة - بسبب التخلف في قدراتها وادواتها - تلجأ الى الضغط على المتهمين طلبا للاعتراف ، لانها لا تملك اية وسائل ناجعة لتوفير الادلة ، فهي عاجزة عن كشف اية جريمة او الوصول الى مرتكبيها الا بانتزاع الاعترافات بالاكراه والضغط .
ويعد الاعتراف المأخوذ بالضغط والاكراه - ولو اظهر الحقيقية - اعترافا باطلا – من وجهة نظر قانونية - لا يصح الاستناد اليه في ادانة المتهم ، مهما كان مقدار قناعة المحكمة به ، فيتوجب اطراحه كدليل في الدعوى ، ووزن باقي  الادلة المتوفرة بمفردها والنظر في مدى كفايتها ، وكأن الاعتراف غير موجود اصلا ، بغض النظر عن مدى صحة الاعتراف ، اذ يتوجب اطراحه وعدم الاعتداد به ولو كان صحيحا ([4])، وبغض النظر عن مقدار الضغط او الاكراه او التهديد الذي استعمال لانتزاعه سواء اكان كبيرا ام صغيرا ([5]) ، فيعد الاعتراف باطلا اذا ما اخذ من المتهم تحت القسم اذ يعد تحليف المتهم اليمين احد طرق الاكراه  على الاعتراف .
  اما الدوافع الاخرى للاعتراف - كصحوة الضمير وحماية الغير والتباهي وغيرها مما سقناه انفا - فانها – عموما - قليلة الوقوع في الحياة العملية ، اذ نادرا ما يعترف المتهم لصحوة ضميره ، او لاستدراجه من المحقق او لمواجهته بالادلة ، او يعترف للتباهي او يعترف بطريق الخطأ ، الا ان بعض تلك الدوافع يقع بها الاعتراف بسببها اكثر من غيرها في العراق ، اذ يقع احيانا ان يعتراف المتهم لحماية شخص وثيقة الصلة به  ، او لايمانه بسلامة عمله حينما ارتكب الجريمة خصوصا في جرائم الشرف ، ويعترف مرتكبو بعض جرائم الخطأ ، كما يعترف بعض مرتكبي الجرائم البسيطة لتفاهتها او بساطة العقوبة عنها .


المطلب الرابع
دوافع الجهات التحقيقية لانتزاع الاعترافات
ويندفع المحققون والضباط الى انتزاع اعترافات من المتهمين - بالضغط عليهم ولو بالتعذيب الشديد لاسباب - مختلفة ، منها :-
1-      ابراز مهاراتهم في انتزاع الاعتراف وكشف الجريمة .
2-       المنافسة وتسابق الاجهزة الامنية  المختلفة للفوز بكشف فاعلي الجريمة قبل غيرهم .
3-      للتخلص من ضغوط روؤسائهم الذين يريدون كشف المجرم باي طريقة كانت  ، ولو لم تكن هناك منافسة بين الاجهزة الامنية المختلفة .
4-      للتخلص من ضغوط الرأي العام اذا كانت القضية محل اهتمامه ومتابعته .
5-      وقد يقف خلف الضغط لانتزاع الاعترفات اسباب طائفية او عرقية او سياسية ، كحرص المحقق على انتزاع الاعتراف باي وسيلة من المتهم لانه من دين اخر او طائفة اخرى او قومية مختلفة .او لانه ذو توجه سياسي معارض .
6-      من اجل تصفية الخصوم والمنافسين ، تنفيذا لاجندات ذاتية للضابط او المحقق نفسه ، او تنفيذات لاجندات شخصية لجهات نافذة او شخصيات مؤثرة .
7-      تواطئ المحقق او الضابط  مع المشتكي او خصم المتهم او شخص يريد الحاق الاذى به ( [6])، لقاء مال ، او منفعة اخرى من اي نوع كالجنس او الهدايا  .
8-      علاقات المحققين والضباط باطراف الدعوى ، سواء اكانت عداوة او صداقة محبة اوكره ، كأن يكون المحقق او الضابط قريب المجنى عليه او صديقه ، او له معرفة باحد الاشخاص وثيقي الصلة به ، وقد يضغط المحققين والضباط لانتزاع الاعترافات لوجود عداوة مع المتهم او موقف غير ودي .
9-      الانتقام :- حينما يسعى المحقق او الضابط لالحاق الاذى بشخص ما انتقاما منه ، كأن يكون قد اخر معاملته او منع امرارها ، او خطف منه فتاة يحبها ، او ازاحه عن منصب يريده ، وهذا الدافع يختلف عن دافع نوع العلاقة باطراف الدعوى لانه لا يقوم على المشاعر العامة ، بل يقوم على موقف معين فقط .

المطلب الخامس
اسباب اعتبار الاعتراف اخطر الادلة
من كل ما عرضناه انفا ، نلخص الى ان ( الاعتراف اخطر الادلة ) للاسباب الاتية :-
1-      ان خلف الاعتراف دوافع - غالبا - ما تؤدي الى اعترافات كاذبة ، او دوافع تؤدي الى اعترافات مشكوك في صحتها ، اذ احصينا (19) دافعا للاعتراف منها عشرة تؤدي الى اعترافات كاذبة قطعا ، وخمسة فقط تؤدي الى اعترافات مشكوك في صحتها . اما الدوافع التي تؤدي الى اعترافات صحيحة فأنها اربعة فقط وهي نادرة الوقوع في الحياة العملية  ، وبعضها ينحصر في جرائم بعينها كجرائم الشرف او في الجرائم البسيطة كجرائم الخطأ .فأذا ما اخذنا بالاعتراف كدليل قاطع فأن عدد كبير من الابرياء سيذهبون ضحايا للعدالة نتيجة ذلك .
2-      ان اكثر من ( 95% ) من حالات الاعتراف تكون نتيجة الضغط والاكراه من الجهات التحقيقية لاسباب ودوافع مختلفة . وهي - نظريا - تعد باطلة من وجهة نظر قانونية لانها انتزعت فعليا بالضغط ، ولكنها عمليا يؤخذ بها ويحكم الاشخاص على اساسها ، دون ان يتمكن المتهم من اثبات انتزاعه منه بالضغط لصعوبة ذلك ، من جهة ، و لعدم اكتراث المحاكم ببحث ادعائه بانتزاع الاعتراف منه بالضغط  ، من جهة اخرى .
3-      ان الاعتراف لايعد دليلا ، اذ انه اعفاء من تقديم الدليل ، وليس بدليل .فيتوجب تقييمه في ضوء هذه النظرة ، باعطاءه منزلة تقل عن الدليل ، من خلال تقييمه بالنظر اليه بعين الشك والريبة ، بخلاف النظرة الى الادلة المادية باعتبارها ادلة لا يتسرب اليها الشك . في حين ان الواقع الفعلي يشير الى ان الاعتراف هو عمود الادلة في ادانة المتهمين في الانظمة التحقيقية التقليدية التي تعجز عن اثبات الجريمة ونسبتها الى مرتكبها الا بانتزاع اعتراف منه ، اذ لا تجد متهما يحكم بادانته بجريمة بلا اعتراف الا نادرا ، فمن لا يعترف يفلت من العقاب غالبا ، ولا تجد متهما معترفا يتمكن من الافلات الا نادرا ، ولو كان اعترافه اخذ منه بالضغط على ارادته ولو بالتعذيب الشديد .
4-      ان الاعتراف يربط المتهم بالجريمة ، ولا يربط الجريمة بالمتهم ، لانه ينسب الجريمة الى ( من وقع عليه الاكراه لانتزاع اعترافه ) وليس الى ( مرتكب الجريمة الحقيقي ) ، اي انه يسير باتجاه واحد فقط ، تبدأ من المتهم الى الجريمة ، ولكنه يعجز غالبا عن ربط الجريمة بالمتهم ، اي انه بخلاف الادلة المادية التي تربط الجريمة بالمتهم وتربط المتهم بالجريمة معا مرة واحدة ، بادلة لا تقبل الشك ، لانها تبدأ من الجريمة وتذهب الى مرتكبها ، لذلك فهي ادلة لا تكذب ابدا ، بخلاف الاعتراف الذي ترتفع احتمالات كذبه بنسبة عالية جدا ، فهو يربط بين الجريمة والمتهم باتجاه واحد ، يبدأ من المتهم ، بوسيلة معنوية ظنية ، يرجح احتمال عدم صحتها بقوة ، ولا يوجد ما يقطع بصدقها  قطعا جازما لا لبس فيه .
5-      ان تساهل القضاء في الاخذ بالاعتراف على علاته خصوصا الاعتراف المنتزع بالاكراه والتعذيب يشجع الجهات التحقيقية على انتزاعه باي وسيلة، والتمادي في انتهاكات حقوق الانسان .
6-      ان تساهل القضاء في تصحيح الاعترافات ولو كانت باطلة وعدم ملاحقة من ينتزعها بالضغط والاكراه بجدية شجع على التمادي في الضغط لاخذ الاعترافات .
7-      صعوبة اثبات وقوع الضغط والاكراه على المتهمين المعترفين ساعد على انتشاره والتوسع في طلبه ولو على حساب الحق والانصاف وحقوق الانسان .
8-      ان سهولة الحصول عليه وعدم تطلبه اي جهد او مهارة حقيقية ، وقلة نفقاته قياسا بغيره من الادلة ، يغري المحققين والضباط على التمادي بطلبه ، فهو لا يكلفهم جهدا لا عضلي ولا علمي ولا ذهني كبير ، بل هو ايسر الادلة في الوصول اليه ببعض الضغط على المتهم ، وهو لا يتطلب اي نفقات تذكر بخلاف الادلة الاخرى التي تتطلب جهدا ومتابعة ونفقات ومقدرة علمية وذهبية .
ذلك كله مدعاة الى الاخذ بنظرة قانونية تتبنى الشك بالاعتراف كدليل ، خاصة في حالات رجوع المتهم على عنه ، اذ يتوجب ان يكون الاصل عدم صحة الوقائع التي ذكرها المتهم المعترف اذا رجع في اعترافه ، والاستثناء هو الاخذ باعتراف المتهم اذا رجع عنه ، ويجب حصر هذا الاستثناء في اضيق نطاق ، وهذا ما اخذ به الفقهاء المسلمون ، اذ فرقوا بين حالات ثلاث في الرجوع عن الاعتراف [7]:-
الحالة الاولى :- اذا اعترف المتهم بحق خالص للعبد ، فلا عبرة بالرجوع عن الاعتراف ، لانه الاقرار ينشأ حقا للغير  .
الحالة الثانية :- اذا تعلق الاعتراف بحق خالص لله كالاعتراف بشرب الخمر او الاستنماء او ما يعرف بجرائم الحق العام حاليا ، فان الرجوع بالاعتراف يؤخذ به مطلقا ، فيبطل الاعتراف ، فلا قيمة له اذا رجع المتهم عنه ، سواء اكان الرجوع صراحة او ضمنا .
الحالة الثالثة :- اذا تعلق الاعتراف بحق لله وللعبد ، فأن حق الله يسقط ، مثل ان يعترف المتهم بسرقة مال شخص ما ، ثم يرجع في اعترافه ، فلا يقام عليه حد السرقة ، ما لم تثبت عليه الجريمة بطريق اخر غير الاعتراف ، الا ان حق العبد في استعادة ماله او التعويض عنه يثبت ضد المعترف ولا يسقطه رجوعه في الاعتراف ([8]).
فندعو الى الاخذ بهذه المبادئ في رجوع المتهم عن الاعتراف لانها عادلة ومنصفة ولا يمكن ان يذهب نتيجة تطبيقها ابرياء الى السجون او يحكم عليهم بالاعدام ، كما ندعو الى الزام المحاكم في حالة اخذها بالاعتراف ان تتحرى عن الدافع الحقيقي للمتهم في اعترافه ، ثم تبن عليه صدق او كذب اعترافه قبل الحكم عليه ، اذ ان الدافع على الاعتراف ركن من اركان كشف حقيقته .
لعل الاخذ بهذا الموقف سيكون حافزا قويا لانظمتنا التحقيقية الى تطوير ادواتها وكوادرها لكشف الجريمة ومرتكبيها بطرق علمية متطورة ، ويجنبها ارتكاب الانتهاكات على السجناء والموقوفين طلبا للاعتراف .


المصادر
القاضي علي عباس اليوسف – الاعتراف المعيب – دراسة مقارنة – رسالة قدمت الى المعهد القضائي العراقي عام 1990 كجزء من متطلبات الدرسات القانونية المتخصصة العليا – القسم الجزائي .


[1] - اظهر المحقق للمتهم بانه يعتقد بان المجنى عليه ( خال المتهم ) يستحق القتل لانه ترك زوجته الجميلة الصغيرة في العمر ليمارس اللواط مع الاطفال ، فاجاب المتهم بانه قتله لهذا السبب .
[2] - حدثني احد قضاة التحقيق بانه بعد ان دون اقوال المتهم بالانكار ، ولان الجريمة غامضة ومعقدة ، فأنه اخبره ( اي اخبر المتهم ) بانه سيحيل القضية الى مكتب مكافحة الاجرام في المحافظة ، فأجابه المتهم بانه مستعد للاعتراف بالجريمة على ان لايحيله الى ذلك المكتب .
[3] - يعد الاقرار او الاعتراف - عند الفقهاء المسلمين  -  تحت تأثير الاكراه باطلا ولو قامت الدلائل على صحته كأن يرشد السارق عن المسروقات او القاتل على الجثة ، ولم يخالف بذلك الا بعض المالكية ممن ذهبوا الى االقول بصحة اقرار المكره .انظر في تفصيل ذلك :- القاضي علي عباس اليوسف – الاعتراف المعيب – ص13 .
[4] - ان من اصعب الفروض التطبيقية هوالاخذ بقاعدة عدم الاعتداد بالاعتراف واطراحه بالكامل ولو جاء بوقائع صحيحة ، اذ يصعب العمل بها وتطبيقها على ارض الواقع ، فلو اعترف المتهم بالاكراه والتعذيب بانه قتل المجنى عليه ببندقية دفنها في ارض زراعية ، وقام بالدلالة على مكان دفن البدقية التي اظهر التقرير الفني بانه هي البندقية التي اطلقت منها الاطلاقات التي وجدت بجانب جثة المجنى عليه ، فهل يسهل اطراح مثل هذا الاعتراف الذي تقطع بصحته الادلة المادية التي اخرجها المتهم المعترف بالاكراه؟ ان التطبيق السليم لحكم القانون والقواعد القانونية الصحيحة التي تراعي حقوق الانسان تتطلب ذلك فعلا ولابد من اهمال ذلك الاعتراف بالكامل ، فلا مناص من ترك الاخذ بالاعتراف المأخوذ بالاكراه وعدم الاعتداد به بشكل مطلق  ولو كان صادقا ومطابق للحقيقية ، واالا فأن ذلك انتهاك خطير لحقوق المتهم وخرق كبير في العدالة .
[5] - قضت محكمة النقض المصرية بالعدد 5925 في 2 / 5 / 1985 :- ( الاصل في الاعتراف الذي يعول عليه ان يكون اختياريا وهو لا يعتبر كذلك – ولو كان صادقا – اذا صدر اثر ضغط او اكراه كائنا ما كان قدره ، وكان من المقرر ان الدفع ببطلان الاعتراف لصدوره تحت تأثير الاكراه دفع جوهري يجب على محكمة الموضوع مناقشته والرد عليه ما دام الحكم قد عول في قضائه بالادانة على هذا الاعتراف ) ، وقضت بالعدد 3725 في 4 / 10 / 1988 :- ( من المقرر ان الاعتراف الذي يعول عليه يجب ان يكون اختياريا وهو لا يعتبر كذلك – ولو كان صادقا – اذا صدر اثر اكراه او تهديد كائنا ما كان قدر هذا التهديد او ذلك الاكراه ) . نقلا عن الموقع الرسمي للجنة الشريعة الاسلامية بدمياط – قانوني دوت كوم _ www.qanony.com .
[6] - احضر الضابط متهما - معترفا بمحاولة خطف ابن خاله - الى القاضي الخفر ليلا لتدوين اقواله بالاعتراف ، فلاحظ القاضي الخفر بأن المتهم لا يقوى على الوقوف على رجليه ، فاصر عليه لقول الحقيقية ، فافحص المتهم بان اعترافه انتزعه منه الضابط بالاكراه لانه متواطئ مع خاله لتوقيفه بحجة شروعه بخطف ابنه للضغط على والدته للتنازل عن حصتها من الارث .
[7] - اشار القرآن الكريم الى الاعتراف في عدة مواضع منها قوله تعالى في سورة التوبة الاية ( 102 ) :- ( واخرون اعترفوا بذنوبهم ) وقوله في سورة المالك الاية ( 11 ) :- ( فاعترفوا بذبهم فسحقا لاصحاب السعير ) وقوله تعالى في سورة البقرة الاية ( 84 ) :- ( ثم اقررتم وانتم تشهدون . ) وقوله في صورة النساء الاية ( 134 ) :- ( يايها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم ) . الا ان تلك الاعترفات كلها بارادة حرة واعية فلا اكراه ولا اجبار .
[8] - القاضي علي عباس طاهر اليوسف – الاعتراف المعيب – دراسة مقارنة – رسالة تقدم بها الى المعهد القضائي العراقي عام 1990 كجزء من متطلبات الدراسات القانونية المتخصصة – القسم الجزائي – ص 40 .