الاثنين، 2 فبراير 2015

نظرة في مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي
 والاجتماع والتظاهر السلمي
                                                                                                       القاضي
                                                                                                        رحيم حسن العكيلي
رفع مجلس الوزراء في ايار عام 2011 مشروع قانون ( حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي ) الى مجلس النواب للنظر في تشريعه ([1])، الا ان هذا المشروع لم يتضمن فعليا الا قيود على حرية التعبير عن الرأي وتقييد لحرية الاجتماع والتظاهر السلمي ، وهو لا يؤمن الحد الادني من التوافق مع المعايير و العهود والمواثيق الدولية  التي يتوجب الالتزام بها ، اما لانها اضحت عرفا دوليا ملزما ، واما لان العراق صادق عليها او انضم اليها بقوانين نافذة ، فهو اي مشروع القانون – في الحقيقية - ( يخنق حتى الموت حرية الرأي والحق في الحصول على المعلومة والحق في الاجتماع والتظاهر ، وهو قانون لدفن ما تبقى لنا من آمال في عراق متمدن متحضر يحترم الحقوق والحريات ويكفلها للناس كافة ) على حد تعبير باحث قانوني مستقل لا يتشبه  بوعاظ السلاطين من القانونيين الذين يساهمون اليوم في تعبيد الطريق لخرق كل مبادئ الدستور ومبادئ الديمقراطية ارضاءا لشهوات السلطة والاستبداد والانفراد بالحكم مقابل بقائهم في مناصب لا يستحقونها و بعض الفتات من مال الشعب المنهوب .
ان مشروع هذا القانون يستحق بجدارة اسم ( قانون تقييد حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي ) وسأتعرض - هنا - باختصار لاهم القيود التي جاء هذا المشروع :-
1-   القيد العام الفضفاض ( النظام العام والاداب العامة ) :- فلا يجوز ان  يخل التعبير عن الرأي او الاجتماع او التظاهر السلمي بـ ( النظام العام ) او ( الاداب العامة ) ، وهذان قيدان جاء بهما الدستور بموجب المادة ( 38 ) منه ، وكان ينبغي بالقانون التخفيف من خطورة هذا الاطلاق في هذين القيدين على تلك الحقوق ، اما عن طريق وضع تعريفين محددين واضحين لهما ، او على الاقل وضع معايير محددة لكل منهما لتحديد ما يعتبر من النظام العام والاداب العام وما يخرج عنها ، لمنع استغلال تلك المفاهيم المطاطة المرنة الواسعة في مصادرة الحريات . الا ان مشروع القانون ابقاهما على علاتهما ،  فلم يبين ما هية النظام العام ولا ماهية الاداب العامة , ولم يضع معايير لتحديد ما يعد من النظام ولا ما يعد من الاداب العامة ، بل لم يكلف نفسه تحديد الجهة التي تفتي بان تصرف او قول ما يعد مخالفة  للنظام العام او الاداب العامة . وذلك كاف لوحده لمصادرة حريات الرأي والاجتماع والتظاهر .
2-   التقييد بلفظ ( المواطن ) :- فمشروع القانون اعطي الحق في حرية التعبير والاجتماع والتظاهر وحق المعرفة للمواطنين فقط ، وذلك قد يفسر على ان ممارسة تلك الحريات حق لرعايا الدولة من العراقيين دون سواهم ، وذلك مخالف للدستور الذي اطلق تلك الحقوق ولم يقيدها بانها للعراقيين دون غيرهم ، كما يخالف المعايير الدولية وما ورد في الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها العراق ، والتي تعتبر تلك الحريات من الحريات الاصلية للانسان بغض النظر عن جنسيته ومكان اقامته ، وكان يتوجب احلال لفظ ( شخص ) او ( اشخاص ) محل ( مواطن ) او ( مواطنين ) اينما وردت في القانون .
3-   الطعن في الاديان او الانتقاص منها :- اذ نصت المادة ( 5 ) من مشروع القانون على قيدين على حريات التعبير والاجتماع والتظاهر بقولها :- ( يحظر ما يأتي ) اما المحظور الاول فلا اشكال فيه لانه يتعلق بالدعاية للحرب او الاعمال الارهابية او الكراهية القومية او العنصرية او الدينية او الطائفية  [2]، اما المحظور الثاني فهو :- ( الطعن في الاديان والمذاهب والطوائف والمعتقدات والانتقاص من شأنها او من شأن معتنقيها . ) وهو قيد خطير يصلح لان يكون اداة فاعلة جدا لتعطيل حرية الرأي والتعبير والاجتماع والتظاهر السلمي بشكل كامل.    
4-   اذن الجهة الادارية المسبق :- فلا يجوز عقد اجتماع عام ولو في مكان خاص، او التظاهر سلميا ، الا بعد الحصول على اذن مسبق من رئيس الوحدة الادارية ، وفقا لنص المادة ( 7 ) منه التي تمت صياغتها بطريقة مختلطة تؤدي الى تحكم كامل للادارة باعطاء الاذن او حجبه بلا مراجعة قضائية حقيقية .
5-   تحكم الادارة في اعطاء الاذن او رفضه بلا معايير  :- فلم يضع مشروع القانون معيار ولا ضابط لتحديد الاسس الذي تستند اليه الادارة في رفض اعطاء الاذن او منحه ، وبالتالي فهي مطلقة الحرية في ان ترفض اعطاء الاذن بالتظاهر او بالاجتماع لاي سبب اوبدون سبب . كما لم يقيدها باعلان موقفها في وقت مناسب بعد تقديم الطلب ليتمكن المنظمون من ترتيب امورهم ، بل ضيق على منظمي المظاهرة او الاجتماع العام بان نص على تبليغ احدهم برفض اعطاء الاذن قبل ( 24 ) ساعة فقط .
6-   صورية المراجعة القضائية :- فرغم ان نص المادة ( 7 ) اجاز الطعن بقرار الادارة في (رفض اعطاء الاذن بالتظاهر او الاجتماع العام ) امام محكمة البداءة ، الا انه اجازه لشخص واحد فقط ، هو رئيس اللجنة المنظمة ، ولكنه لم يعط اي وقت لا للطعن ولا لنظر المحكمة بالموضوع، اذ ان قرار الرفض يبلغ الى المنظمين قبل ( 24 ) من موعد التظاهرة او الاجتماع حسب نص البند ثالث من المادة ( 7 ) من المشروع، فمتى سيتم الطعن بقرار الرفض امام المحكمة ؟ ومتى ستبت المحكمة بالموضوع ؟ فليس لدينا سوى 24 ساعة فقط .
7-   ارهاب المنظمين :- تضمنت اجراءات منح الاذن بالتظاهر او الاجتماع العام نصوصا توجب على المنظمين الاعلان عن اسمائهم ( 7 / اولا ) كما انها حملتهم مسؤولية حسن التنظيم والوفاء بالالتزامات المقررة قانونا والمحافظة على الاجتماع والتظاهر بالتنسيق مع الجهات المعنية ( 7 / ثانيا ) . وهذه نصوصا واضحة الدلالة في مقصودها ، اذ انها تشكل تهديدا لا لبس فيه لأمن المنظمين الشخصي ، ومحاولة لارهاب من يفكر في تنظيم مظاهرة او اجتماع عام بالقاء عبء اي مشاكل او تجاوزات انتهاكات يرتكبها المتظاهرون او المجتمعون او غيرهم - من المندسين او عملاء الحكومة او المعارضين للتظاهر - على المنظمين للتظاهرة او الاجتماع .
8-   التقييد الزماني :- فلا يجوز تنظيم التظاهرات قبل الساعة السابعة صباحا او بعد الساعة العاشرة ليلا ( 10 / ثانيا ) ، ولا يجوز ان تمتد الاجتماعات العامة لما بعد العاشرة ليلا ( 8 / ثالثا ) ، والحقيقية ان صياغة المادة ( 10 / ثانيا ) تمنع التظاهر مطلقا في كل الاوقات لان اطلاق لفظي ( قبل ) و ( بعد ) يجعل الوقت كله داخلا في المنع .
9-   منع الاعتصامات مطلقا :- لان التظاهر ممنوع قبل الساعة السابعة صباحا او بعد العاشرة ليلا ، والاجتماع العام ممنوع امتداده بعد العاشرة ليلا .
10-           التقييد بالتجريم :- اذ جرم مشروع القانون مجموعة من الافعال بموجب المادة ( 13 ) منه ، وعاقب عليها بعقوبات تترواح بين السجن عشر سنوات وغرامة بين مائة مليون وعشرة ملايين دينار ، وجاء بها بالفاظ فضفاضة واسعة يمكن بها ملاحقة اي شخص يكتب مقال او بحث جرئ في امر من امور السياسة او الدين ، ويبدو انها يقصد منها ان تكون اداة للسلطة لملاحقة خصومها متى شاءت وبالطريقة التي تشاء ، والغريب ان القانون اسمه ( حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي ) ، الا انه بدل من ان يجرم الاعتداء على هذه الحقوق وانتهاكها ، فانه يجرم افعالا ظاهرها حماية الحرية الدينية وباطنها تقييد حريات الرأي والاجتماع والتظاهر  ، وتجريم من يمارسها بطريقة لا تلائم امزجة او مصالح البعض .
11-           تقييد التصريح للصحافة :- فلا يجوز للمجتمعين في اجتماع عام ادلاء التصريحات لوسائل الاعلام اذا ما خالفت النظام العام او الاداب العامة ( 8 / رابعا ) . فلم يكتف واضع مشروع القانون بالنص العام ، فجاء بنص خاص للتصريح لوسائل الاعلام ، وهذا يعكس رغبة السلطة في التحكم والسيطرة حتى على اتصال الناس بالاعلام وحقهم في التعبير لها  او عن طريقها عن مشاكلهم وتطالعاتهم او رأيهم في الحكام والسياسيين ونظرتهم لهم  او لادائهم.
12-           منح الامن حق تفريق المتظاهرين بالقوة :- فتجيز المادة ( 11 / اولا ) استعمال القوة لتفريق المتظاهرين او المجتمعين بواحدة من حجتين هي :- ( زعزعة الامن ) او ( الحاق الاضرار بالاشخاص او الممتلكات او الاموال ) ، واستعمال لفظ ( الحاق الاضرار ) يجعل كل التظاهرات خاضعة لتفريقها بالقوة لان لفظ ( الضرر ) المطلق كلمة واسعة جدا ، تتحقق بكل تظاهرة دون ادني شك ، كأن تفرق المظاهرات لانها تضر بالبائعين المتجولين واصحاب المحلات في ساحة التحرير او شارع المتنبي ، او تضرر بالمواطنين لانها تخلق ازدحاما مروريا .
13-           وضع قيود مفتوحة بارادة السلطة التنفيذية :-  للسلطة التنفيذية وفقا لنص المادة ( 12 ) من مشروع القانون وضع ما تشاء من القيود على حرية التظاهر السلمي وحرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع ، تحت اي واحد من الحجج الثلاث الاتية :- 1- المصلحة العامة 2- النظام العام 3- الاداب العامة .والغريب ان الدستور لم يقيد هذه الحقوق الا بالنظام العام والاداب العامة ،الا ان مشروع القانون محل البحث اجاز وضع قيود جديدة تخترعها السلطة التنفيذية تحت القيدين اللذين جاء بهما الدستور ، ولم يكتف القانون بهما بل اضاف قيد او حجة اخرى لوضع القيود هي ( المصلحة العامة ) . وهذا ما نصت عليه المادة ( 12 ) من مشروةع القانون وهي اخطر نص فيه ، لانها تطلق يد السلطة التنفيذية في وضع ما تشاء من القيود على الحريات التي كفلها الدستور بحجة المصلحة العامة او النظام العام او الاداب العامة اذ تقول :- ( لا يجوز وضع القيود على الحريات والحقوق المنصوص عليها في هذا القانون الا بناء على مقتضيات المصلحة العامة او ما يخل بالنظام العام او الاداب العامة ) . فهذا النص كاف لوحده لقتل حريات التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي .
14-           التقييد بالاغفال :- ونقصد هنا تعمد عدم الاشارة الى اصناف من الاحتجاجات في القانون لتكون الطريقة – بعد ذلك – معبدة لمنعها بحجة عدم ذكرها في القانون ، وهي اصناف من ممارسات تعبر بها عادة الجماهير عن رأيها وارادتها كالاعتصامات والعصيان المدني والاضرابات . فهذه اصناف للاحتجاجات اغفلها مشروع القانون مما يوطئ الارضية لمنعها لاحقا بحجة عدم قانونيتها ([3]) .
ان مشروع القانون تضمن ( 17 ) مادة فقط ، ثلاث مواد تنظيمية ( نفاذ القانون واصدار التعليمات وتطبيق قانون العقوبات فيما لم يرد فيه نص ) ، فبقي منه ( 14 ) مادة موضوعية فقط ، جاءت باربعة عشر قيدا للحريات التي تنظمها ، لذا فأنه بحق ( قانون تقييد حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي ) ، لانه ( كتب برؤية تريد تمرير بنود تقييد حرية الفكر والتعبير ، وليس لسن بنود تحمي هذه الحريات وتشرعن لتنظيمها وتعميقها ، اي انه يتجه نحو التقييد والتحديد والمبالغة في العقوبة بدلا من الاتاحة والتوسع وتقديم الضمانات)([4]) ، اضافة الى طغيان اللغة الامنية التي كتبت بها مسودة القانون ([5]).
يضاف الى ما تقدم فأن مشروع القانون لم يحدد - بطريقة واضحة لا لبس فيها - بأن القيود العامة الواردة في القانون لا تبيح للسلطة التنفيذية ولا لاية جهة كانت ان تمنع اي انسان من ممارسة حرياته في التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي بحجة انه قد يرتكب فيها ما يخل بالنظام العام و الادب العامة او انها قد تتضمن طعنا في الاديان او المذاهب او انتقاصا منها او من شأن معتنقيها ، فلا يجوز للجهات الامنية ولا لعموم السلطة التنفيذية او لاية جهة كانت فرض رقابة مسبقة على ممارسة تلك الحقوق ، ولكن تخضع تلك الانتهاكات او المخالفات اذا ما وقعت لاثار اجرائية وادارية لاحقة فقط ، كالحق بالتعويض او حق الرد وغيرها . فذلك امر في غاية الاهمية لكي لا تتحول تلك القيود الى قناة تتسرب منها اجراءات ووسائل وادوات تؤدي الى تعطيل حق الناس في حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي .
ومعنى ذلك هو انه لا يجوز منع اي شخص من ممارسة حقه في التعبير او الاجتماع او التظاهر السلمي ، ولا يجوز وضع رقابات عليه ، فأذا ما ارتكب ما يخل بالنظام العام او الادب العامة حين ممارسته تلك الحريات استحق لاحقا تطبيق الجزاءات المناسبة بحقه وفقا لما ينص عليه القانون ، وذلك مبدأ تطبيقي هام اغفله مشروع القانون ، وقد يكون ذلك الاغفال متعمدا ، لتظل للسلطات التنفيذية بابا مفتوحة لمصادرة تلك الحريات وقتما تشاء او تفرض الرقابات عليها بالطريقة التي تشاء .  
ان مشروع القانون هذا دليل واضح على القلق البالغ للطبقة السياسية الحاكمة من حرية التعبير والاجتماع والتظاهر، ولكني اسأل لمصلحة من تقيد – بمثل هذه القوانين الجائرة - حرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي ؟ فاذا كان من مصلحة الممسكين بالسلطة اليوم ان يقيدوا تلك الحريات لكي يمارسوا دورهم ويمرروا ما يشاؤن بلا مزعجين ولا متطفلين ، فقولي لهم ان غيركم آت - غدا - ليحكم - لا محالة - فلو دامت لغيركم لما وصلت لكم ، فلا تقلموا اظافر الشعب ، فأنكم قد تقلموها لمصلحة غيركم . الا اذا عقدتم العزم على البقاء للابد ... فهنيئا لكم شعب مقلم الاظافر بقانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي .
                                                                                                                 القاضي
                                                                                                         رحيم حسن العكيلي




[1] - لقد تحركت اسباب اعداد مشروع هذا القانون في مجلس الوزراء بعد تظاهرات بداية عام 2011 التي انطلقت مع انطلاقة ما يعرف بالربيع العربي في بلدان عربية مختلفة . والتي قمعت بالعراق بوسائل الترهيب والاعتقال والتعذيب والاهانة وانزال الطائرات المروحية فوق رؤوس المتظاهرين ونعتهم بنعوت عدائية من اعلى جهات في الحكومة ، واستخدام الامن وبعض الموالين للحكومة والرشوة لاستعمال اشخاص لضرب المتظاهرين واهانتهم ومنعهم من الاستمرار في التظاهر .
[2] - اشارت المادة ( 13 ) من الاتفاقية الامريكية لحقوق الانسان لسنة 1969 الى ذلك القيد بقولها :- ( ان اية دعاية للحرب واية دعوة للكراهية القومية او العرقية او الدينية والذين يحضون على العنف المخالف للقانون او اي عمل غير قانوني اخر مشابه ، ضد اي شخص او مجموعة اشخاص ، مهما كان سببه ، بما في ذلك سبب العرق او اللون او الدين او اللغة او الاصل القومي ، تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون . ) .
[3] - انظر مقال د.فارس كامل نظمي – شرعنة الحرية ام شرعنة تقييدها – قراءة في مسودة قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي .
[4] - د. فارس كامل نظمي – المصدر السابق .
[5] - القاضي هادي عزيز علي – ملاحظات اولية حول مسودة قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق