الاثنين، 2 فبراير 2015

مقارنة مختلة بين الدستور العراقي والدستور المصري الجديد
الحلقة الثالثة :- ضمانات النزاهة في كبار موظفي الدولة
                                                                           القاضي
                                                                                رحيم حسن العكيلي
اهتم الدستور المصري اهتماما كبيرا بضمانات الرقابة والنزاهة لشاغلي اعلى الوظائف في الدولة ، في حين اهملها الدستور العراقي اهمالا تاما ، بل راوغ ( واضعو الدستور العراقي ) مراوغة الثعلب الماكر في النص الوحيد الذي جاء به الدستور العراقي ، مراوغة ( اما خبيثة بتطرف ، اوجاهلة بتطرف) تتضمن الكثير من المحاباة لكبار موظفي الدولة على حساب المال العام،حينما اشاروا لواحدة من تلك الضمانات الخطيرة بطريقة حرفتها بالكامل عن غايتها وفتحت الطريق واسعا لنهب اموال الدولة باسم القانون .
 فهذا الدستور المصري ينص في المادة ( 158 ) منه :- ( يحدد القانون المعاملة المالية لرئيس مجلس الوزراء واعضاء الحكومة ، ولا يجوز لاي منهم ان يتقاضى اي مرتب ، او مكافأة اخرى ، ولا ان يزاول طوال مدة توليه منصبه ، بالذات او بالواسطة ، مهنة حرة او عملا تجاريا او ماليا او صناعيا ، ولا ان يشتري او يستأجر شيئا من اموال الدولة ولا ان يؤجرها او يبيعها شيئا من امواله ، ولا ان يقاضيها عليه ، ولا ان يبرم معها عقد التزام او توريد او مقاولة . ويتعين على عضو الحكومة تقديم اقرار ذمة مالية عند توليه المنصب وعند تركه ، وفي نهاية كل عام ، يعرض على مجلس النواب . واذا تلقى اي منهم هدية ، نقدية او عينية ، بسبب منصبه او بمناسبته ، تؤول ملكيته الى الخزانة العامة للدولة . وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون . )
ومثل هذا النص ، بنفس عباراته،جاء بالمادة ( 138 ) من الدستور المصري عن رئيس الجمهورية بقولها :- ( يحدد القانون المعاملة المالية لرئيس الجمهورية ..... )
اما المادة ( 88 ) منه فقد نصت :- ( لا يجوز لعضو اي من المجلسين ( مجلس النواب ومجلس الشورى ) طوال مدة العضوية ، بالذات او بالواسطة ، ان يشتري او يستأجر شيئا من اموال الدولة ، ولا ان يؤجرها او يبيعها شيئا من امواله ولا ان يقايضها عليه ، ولا ان يبرم معها عقد التزام او توريد او مقاولة . ويتعين على العضو تقديم اقرار ذمة مالية عند شغل العضوية ، او عند تركها ، وفي نهاية كل عام ، يعرض على مجلسه . واذا تلقى العضو هدية ، نقدية او عينية ، بسبب العضوية او بمناسبتها ، تؤول ملكيتها الى الخزانة العامة للدولة . كل ذلك على النحو الذي ينظمه القانون .  )
فالدستور المصري فرض على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء ضمانات للنزاهة ومنع تعارض المصالح هي :-
1-      منعهم من تقاضي اي مرتب او مكافأة  ( غير ما يحدده القانون لمن يتولى المنصب الذي يشغلونه ) .
2-      منعهم من مزاولة اية مهنة حرة او عملا تجاريا او ماليا او صناعيا طوال مدة توليهم المنصب ، لا بانفسهم ولا بواسطة غيرهم .
3-      منعم من شراء او استأجر شئ من اموال الدولة .
4-      منعهم من بيع او ايجار شيئا من اموالهم للدولة .
5-      منعهم من اجراء مقايضة مع الدولة باي شكل .
6-      منعهم من التعاقد مع الدولة بصفة ملتزمين او موردين او مقاولين .
7-      الزمهم بتقديم اقرار الذمة المالية عن جميع اموالهم حال توليهم المنصب وفي ختام ولايتهم ونهاية كل عام.
8-      نص على ايلولة اية هدية - نقدية او عينية - يتلقاها صاحب المنصب الكبير الى الخزينة العامة للدولة ما دامت اهديت اليه بسبب منصبه او بمناسبته .
والزام اعضاء السلطة التشريعية بضمانات النزاهة من ( 3 – 8 ) ولم يلزمهم بالفقرتين ( 1 و2 ) اعلاه لان اعضاء السلطة التشريعية ليس لهم سوى مكاافئة يحددها القانون فقط وليس لهم رواتب ، فلهم الحق في الاستمرار بممارسة اعمالهم او مهنهم السابقة  وتقاضي الرواتب او الاجور والا الايردات منها.
اما الدستور العراقي فقد اهمل كل ذلك !!!
وقد يكون هذا لان واضعي  الدستور العراقي – فيما يبدو – كانوا على يقين من نزاهة الرجال الذين سيديرون البلاد ويتلاعبون بمصير العباد !!!!!!!
وطبعا صدق ظنهم ، لان فضائح الفساد ازكمت الانوف ولان الرقابة والنزاهة اضحت في خبر كان بعد ان استولت عليها السلطة التنفيذية وجعلتها اداة للتآمر ، او لمنح صكوك البراءة والغفران وفق ما تريد وتشتهي.
ويقبل من واضعي الدستور العراقي قولهم :- ( انهم انما اهملوا ذكر تلك الضمانات لانهم تركوا تنظمها للقوانين ) ، لكن فاتهم - هنا - ان القوانين بيد من تقيده تلك الضمانات الخطيرة ، ولا ينتظر من هؤلاء تقييد انفسهم بها فعليا ، لذلك لم يقر في العراق من تلك الضمانات الثمانية التي جاء بها الدستور المصري سوى واحدة هي تقديم تقرير كشف الذمة المالية ، والكل يعرف انه اقر من سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة عام 2004 ولولا ذلك ، لما اقر نهائيا .
وستمضي مدة طويلة جدا وستسرق مليارات الدولارات قبل ان تقر في العراق الضمانات الثمانية التي ذكرها الدستور المصري .
ورغم اني اتفهم الحجة  المذكورة انفا لواضعي دستورنا في اهمالهم ضمانات نزاهة كبار الموظفين، الا انني لا افهم لماذا تلاعبوا بنص المادة ( 127 ) منه التي جاء بضمانة النزاهة الوحيدة في الدستور العراقي ، فحرفوها عن غايتها ، وافرغوها من مضمونها ، حينما اضافوا لها جملة صغيرة هي  :- ( ان يستغلوا نفوذهم في ) ، اذ نصت المادة المذكورة :- ( لا يجوز لرئيس الجمهورية ورئيس واعضاء مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب ونائبيه واعضاء المجلس واعضاء السلطة القضائية واصحاب الدرجات الخاصة ، ان يستغلوا نفوذهم في ، ان يشتروا شيئا من اموال الدولة ، او ان يؤجروا او ان يبيعوا لها شيئا من اموالهم ، او ان يقايضوها عليها ، او ان يبرموا مع الدولة عقد بوصفهم ملتزمين او موردين او مقاولين ) .
ولعل النص يبدو - لغير المتخصصين بالقانون - قد جاء بنفس الضمانات ( 3 و4 و5 و6 ) اعلاه التي جاء بها الدستور المصري ، لكن الحقيقية  هي ان النص العراقي يختلف تمام الاختلاف رغم تشابه الجمل والكلمات والعبارات المستخدمة في كلا النصين ، لان النص المصري يمنع كبار الموظفين من البيع او الايجار او الاستئجار او التعاقد مع الدولة نهائيا وباي شكل ، اما النص العراقي فأنه لا يمنعهم من بيع او شراء او اسئتجار اموال الدولة ولا من التعاقد مع الدولة ولا يمنعهم من بيع اموالهم للدولة ولا ايجارها اليها او مقايضتها معها ، لكنه يمنعهم فقط ( من استعمال نفوذهم في ذلك ) اي ان لهم شراء او ايجار اموال الدولة ولهم بيع اموالهم او ايجارها لها ولهم التعاقد معها كموردين ومقاولين ، وهذا هو مقتل النص الذي جعله مادة لتحفيز الفساد وحمايته ، بدل ان تكون ضمانة للنزاهة.
فلا تقف خطورة هذا النص عند هذا الحد ، بل ان الاخطر فيه هو ان هذا النص شرعن لكبار الموظفين شراء او استئجار اموال الدولة  ، كما شرعن لهم ان يكونوا مقاولين وموردين ( ما داموا لا يستغلون نفوذهم في الحصول على تلك العقود الحكومية ) ، وتلك خدعة ماكرة غاية في الخبث لان الكل يعلم ان كبار موظفي الدولة لهم نفوذ مفروغ منه يتحرك معهم تلقائيا حينما يتعاملون مع الدولة فيهضمون حق المال العام دائما ، ويتلاعبون به ويحابون بعضهم بعضا على حساب حقوق الوطن وفقراءه.
كان عدي صدام حسين بواسطة بعض زبانيته يدخل مزايدات بيع العقارات ، فاذا عرف المزايدون ان عدي يريد شراء العقار فالكل تسحب تأمينتها وتنصرف ليشتري زبانية عدي العقار بلا منافس وباقل ثمن ممكن .
وحدث قبل حوالي ثلاثة سنوات ان احد قيادات احدى الوزرات الامنية اراد تملك عقار مخصص لسكنه ، فضغط على الدائرة التي تملك العقار باتجاه اعلانه للبيع بالمزايدة العلنية ، فنفذ له ما اراد ، وفي يوم المزايدة منع المزايدين المنافسين من الوصول الى مقر الدائرة الحكومية التي يجري فيها بيع العقار بالمزايدة بطريقة بسيطة ، حين اوقف مفارز امنية قطعت الطريقين المؤديين الى الدائرة قبل موعد المزايدة بساعتين بحجة وجود عبوات ناسفة ، فخلا له الجو لانه الوحيد القادر على المرور لحضور المزايدة ، فحضرها لوحده واشتراه بابخس الاسعار .
ولا يخفى على احد انواع النهب الذي مورس على عقارات الدولة من كبار موظفي الدولة ،باستغلال ثغرات في قانون بيع وايجار اموال الدولة النافذ ، وباستغلال  النهج الكارثي في التعامل معها في قوانين النظام السابق الذي عجز مجلس النواب عن ايقافها . وماكان لذلك ان يحدث لو ان واضعي الدستور العراقي لم يتلاعبوا بنص المادة ( 127 ) من الدستور بالطريقة التي ذكرناها .
لكن سؤال يظل يلح عليً ، هو هل ان اضعوا الدستور تعمدوا التلاعب بالنص لحرفه عن غاياته وافراغه من محتواه ، ام فات عليهم لسوء معرفة وسوء  خبرة ودراية ؟

الا ان كلا الفرضين يذكرني بقول الشاعر :- ( ان كنت لا تدري فتلك مصيبة       وان كنت تدري فالمصيبة اعظم ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق