الاثنين، 28 مايو 2012


 الهيئات المستقلة
بين ( الاستقلال التام ) او ( الاستقلال المالي والاداري )
                                                                          
                                                                        
 لا زال الجدل محتدما حول طبيعة ( استقلال الهيئات المستقلة ) هل هو ( استقلال مالي واداري ) فقط ام ( استقلال تام ) ، ويقصد بـ ( الاستقلال المالي والاداري ) هو ان الجهة او المؤسسة او الشركة او الهيئة تستقل في ادارة امورها المالية والادارية فقط ، ولا استقلال لها فيما عدا ذلك ، وغالبا ما يكون القصد من وراء الاستقلال المالي والاداري هو تجزئة العمل الكبير او تفتيته للسيطرة عليه وتحقيق منجز اسرع واكبر بشأنه ، من خلال توزيع الصلاحيات والاعمال ، وامثلته في العراق كثيرة ، خاصة قبل سقوط النظام السابق عام 2003 ، مثل الاستقلال المعطى لمديريات الصحة عن وزارة الصحة ، والاستقلال المعطى لشركات المقاولات التابعة لوزارة الاعمار والاسكان او لوزارة الصناعة او غيرها من الوزرات .
 فتقف فلسفة ( الاستقلال المالي والاداري ) – غالبا - في حكمة ( تجزئة الاعمال وتفتيتها للسيطرة عليها ) ، لذلك فان الاستقلال المالي والاداري يبقي الجهة او الهيئة او المؤسسة المستقلة ماليا واداريا خاضعة للاشراف والتوجيه والرقابة الرئاسية للجهة التي تتبعها في كل شؤونها حتى المالية والادارية ، فالاستقلال المالي والاداري يعطي للجهة المستقلة حرية التصرف بامورها المالية والادارية ، ولكنه لا يمنع الجهة العليا التي تتبعها من التدخل بمثل تلك الامور بما لها من سلطة رئاسية واشرافية . اي ان الاستقلال المالي والاداري لا يخرج الجهة المستقلة ماليا واداريا من السلطات الرئاسية عليها باي حال من الاحوال ، سواء في واجباتها ووظائفها ومهامها العادية او في امورها المالية والادارية . الا ان تدخل الادارة العليا للجهة التي تتبعها الهيئة او المؤسسة المستقلة ماليا واداريا - من الناحية الفعلية - يعتمد على الرئيس الاداري نفسه كالوزير او رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة او رئيس الوزراء ، فقد يكون ممن يكثر التدخل ، فغالبا ما يتدخل باعمال الجهات التابعة له ولو كانت مستقلة ماليا واداريا ، او قد يكون ممن يحترمون الاستقلال المالي والاداري ويؤمن بعدم تركيز الاعمال والوظائف والصلاحيات فيتجنب التدخل الا في حالات نادرة .
اما ( الاستقلال التام ) فانه يشمل ( الاستقلال المالي والاداري ) ويتعداه الى استقلال في اداء الوظائف والاعمال والمهام المهنية ، بحيث لا يكون لاية جهة  صلاحية او سلطة التدخل في اعمالها سواء المالية والادارية او وظائفها ومهامها وواجباتها ، فهي جهات يحكمها القانون ، تدير نفسها بنفسها ولا سلطان عليها الا لحكم القانون وادواتها الداخلية . وهذا النوع من الاستقلال ( اي الاستقلال التام ) هو ما جاء وصفه بقرار المحكمة الاتحادية العليا الموقرة المرقم ( 228 / ت / 2006 في 9 / 10 / 2006 الذي تقول فيه :- ( ان الاستقلال المقصود في المادة ( 102 ) من الدستور هو ان منتسبي الهيئة ( اي هيئة النزاهة ) وكلا حسب اختصاصه مستقلون في اداء مهامهم المنصوص عليها في قانون الهيئة ، لا سلطان عليهم في اداء هذه المهام لغير القانون ، ولا يجوز لاية جهة التدخل او التأثير على اداء الهيئة لمهامها . الا ان الهيئة تخضع لرقابة مجلس النواب في اداء هذه المهام ، فأذا ما حادت عنها او تجاوزتها ، فأن مجلس النواب يملك لوحده محاسبتها ، ويتخذ الاجراء المناسب في ذلك بها ، ومعنى ذلك ان هذه الهيئة تدير نفسها بنفسها ، ووفقا لقانونها شأنها شأن البنك المركزي الذي يتمتع بهذه الاستقلالية لتمكينه من اداء مهامه دون تدخل من احدى الجهات . وهذا بخلاف ما ورد في المادة ( 103 ) من الدستور حيث حصرت الاستقلال بالجانب المالي والاداري بالنسبة لديوان الرقابة المالية وهيئة الاعلام والاتصالات وربطتهما بمجلس النواب . ) انتهى .
والحقيقة ان المحكمة الاتحادية العليا الموقرة - في هذا القرار - اصابت كبد الحقيقة الدستورية ، ووصفت وصفا دقيقا رائعا ( الاستقلال التام ) وميزته عن ( الاستقلال المالي والاداري ) ، ولو انها لم تأت على ذكر اسم النوع الاول من الاستقلال ( واقصد هنا الاستقلال التام ) .
 ويشمل حكم المحكمة الموقرة اعلاه جميع الهيئات المذكورة في المادة ( 102 ) من الدستور ، لان المحكمة في قرارها المذكور تحدثت عن معنى ( الاستقلال ) المنصوص عليها في المادة المشار اليها ، فيكون ذلك شاملا المفوضية العليا للانتخابات والمفوضية العليا لحقوق الانسان اضافة الى هيئة النزاهة لانهما مذكورتان في تلك المادة مع هيئة النزاهة ، واضافت اليها المحكمة في حكمها ( البنك المركزي العراقي ) فشملته بوصف الاستقلال المذكورة في المادة ( 102 ) من الدستور .
فيكون مقطوعا في ان الهيئات المستقلة الاربعة المذكورة ( النزاهة والانتخابات وحقوق الانسان والبنك المركزي ) تتمتع بـ ( استقلال تام ) .
ولا يخفى فان الاستقلال التام للجهات الاربعة المذكورة يعد استجابة لالتزامات دولية ، اذ ان المعايير الدولية في تشكيل مثل تلك الهيئات الاربعة - المشار اليها - يتطلب ان تكون متمتعة بالاستقلال التام ، وليس الاستقلال المالي والاداري فقط .
والمعروف بداهة ان مفهوم ( الهيئات المستقلة ) لم يكن معروفا في النظام القانوني والاداري العراقي قبل عام 2003  ، وانما جاء بها اوامر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة ، مثلما جاءت بمفهوم السلطة القضائية المستقلة بموجب الامر 35 لسنة 2003 حينما شكلت مجلس القضاء الاعلى بموجبه ، واخرجت القضاء والمحاكم - لاول مرة في تاريخ العراق - من قبضة السلطة التنفيذية ، واعطته استقلال تام وكامل .
ولم تكن معظم الهيئات المستقلة من صنع الدستور العراقي لعام 2005 ، بل ان الدستور اقر القائم منها وفقا لقوانين تشكيلها التي كانت قد صدرت قبل وضع الدستور باكثر من سنة ، بل وقبل تأسيس المحكمة الاتحادية العليا في حزيران / 2004 ، وكانت قوانينها قد وضعت وشرعت وفقا لافضل المعايير الدولية والممارسات الفضلى في العالم . وكانت تنص صراحة على ( الاستقلال التام ) ، فتجد نص القسم ( 3 ) من امر ( مفوضية الانتخابات العراقية المستقلة ) رقم ( 92 ) لسنة 2004 يقول :- ( يتم بموجب هذا الامر انشاء مفوضية الانتخابات العراقية المستقلة كأدارة حكومية مستقلة ، تحكم ذاتها ، غير حزبية محايدة ... وتكون المفوضية مستقلة عن فروع الحكومة التنفيذية والتشريعية والقضائية . ) .
ونص البند ( 2 ) من القسم ( 2 ) من امر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة رقم 56 لسنة 2004 ( قانون البنك المركزي العراقي ) على :- ( يتمتع البنك المركزي العراقي بالاستقلال ... ولا يتلقى البنك المركزي اية تعليمات من اي شخص بما فيها الجهات الحكومية ... يتم احترام استقلال البنك المركزي العراقي ، ولن يسعى اي شخص او جهة التأثير على نحو غير ملائم على اي عضو من اعضاء اية هيئة لصنع القرار تابعة للبنك المركزي العراقي ، فيما يتعلق بواجبات وظيفته ، تجاه البنك ، ولن يقوم اي شخص او جهة بالتدخل في نشاط البنك المركزي العراقي ) .
ونص البند ( 1 ) من القسم ( 3 ) من امر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة رقم 65 لسنة 2004 ( المفوضية العراقية للاتصالات والاعلام ) على :- ( يتم بموجب ذلك انشاء هيئة ادارية مستقلة - لا تسعى لتحقيق الربح - يطلق عليها اسم ( المفوضية العراقية للاتصالات والاعلام ) ، تتحمل وحدها دون غيرها ، مسؤولية ترخيص وتنظيم خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية والبث والارسال وخدمات المعلومات وغير ذلك من خدمات اجهزة الاعلام في العراق ..) .
وكانت نصوص الاستقلال بشأن ( الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والارسال ) اوضح من سواها ، اذ نصت ديباجة الامر 66 لسنة 2004:- ( ... واقرارا كذلك بان عدم التدخل في استقلال الاعلام هو واجب الحكومات بالمقابل ، وتأكيدا على ان استقلال الاعلام في هذا السياق يعني عدم اخضاعه للرقابة او للنفوذ غير الملائم وعدم التدخل في شؤونه او تعريضه للضغط من قبل قوى سياسية او قوى خارجية اخرى ... )
ونص البند ( 5 ) القسم ( 2 ) منه على تعريف للاستقلال ، وهو نص فريد من نوعه في اوامر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة بشأن الهيئات المستقلة ، فلم تعرف ( الاستقلال ) الا في هذا النص اذ يقول :- ( تعني عبارة الاستقلال :- القدرة المالية والتحريرية والادارية على ممارسة العمل بدون الخضوع الى التأثير او سيطرة الحكومة او لتأثير اي مصالح خارجية غير ملائمة . ) .
ان فلسفة انشاء الهيئات المستقلة تقوم على الحكمة التي توجب توزيع الادوار والمهام والسلطات والصلاحيات في الدولة بين ( جهات او هيئات ) و ( سلطات ) عدة ، لا يتحكم بعضها بالبعض الاخر ، ولا يعلو بعضها على بعض ، بل يحكمها ويعلو فوقها جميعا القانون ، ثم القضاء الحر المستقل ، لتحد سلطة كل منها سلطة الاخرى ، وذلك كله مبني على الحكمة العظيمة التي اطلقها مونتيسكيو القائلة :- ( السلطة لا تحدها الا السلطة ) ، وهي جميعا - سواء اكانت سلطة او هيئة مستقلة -  يحكمها القانون ، ولا تحكم بعضها بعضا ولا يتحكم بعضها ببعض ، انما يجب ان تقوم العلاقة بينها على اساس التعاون والتنسيق والتكامل في اداء الادوار لتحقيق المصلحة العامة ، وليس على اساس حكم الاعلى للادني ، او على اساس ان احدها تأمر والاخرى تطيع ، فذلك منهج الدول الاستبداية والمركزية في ادارة شؤون البلاد والعباد ، ولا يكون ذلك مقبولا في الدول الديمقراطية والدول التي يحكمها القانون .
                                                                                       القاضي
                                                                                 رحيم حسن العكيلي                                                                                
                                                                                   شباط / 2011      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق